الشعر الصهيوني نظرة في حرف التاريخ PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم: د. حسن الباش

حسن الباش

من معالم الشعر الصهيوني في الموجة التي تعاد قراءة التاريخ وتسقط على الواقع . وعلى الرغم من أن تاريخ اليهود كما كتبه اليهود أنفسهم ليس تاريخا صحيحا ولا هو من الحقيقة قريب "وإنما هو حبة صنعوا منها قبة" وحكاية غابرة صنعوا منها أحداثا مصيرية صدقها الجمهور اليهودي ومازال يصدقها. دفع ثمنها وما زال يدفع . لأنها كما الأساس الذي أساسه صخر من ملح ما إن تصل إليه الماء حتى يقع منهارا.

هكذا هو الفكر الصهيوني . وهكذا هو الأدب الصهيوني . ونعتقد أن الأوهام التي ضلّلت الشعراء الصهاينة كفيلة بأن تسقط كل الخيالات والأوهام كما سقطت خرافات التوراة وأعاجيب التلمود الأسطورية.
هكذا وقع الشاعر الصهيوني يهودا العميخاي مثله مثل بقية من خضعوا لتأثيرات الحقن التوراتي الصهيوني في شرك التاريخ الوهمي الذي صنعه كتاب التوراة ليكون أكبر كتاب خادع لعقول اليهود.

الشاعر الصهيوني يهودا العميخاي

الشاعر الصهيوني يهودا العميخاي

يهودا عميخاي كما هو معروف لكافة قارئيه يستمد مادة شعره من ذلك الموروث التوراتي الخرافي ، فالتاريخ الذي يتلبسه هو تاريخ مزيف محرف وهو تاريخ مصنوع في الخيال و الأحلام وليست حقيقة سجلتها الوقائع بحبر العصور
في قصيدة طويلة له بعنوان " الملك شاؤول وأنا " بأخذ بعض الأحداث ويرمز لها برموز قد تلتبس على القارئ .ولكننا وإن نتذكر من الملك شاؤول وكيف تحدث عن سفر صموئيل التوراتي حتى ندرك معنا الرمز الشعري في قصيدة هذا الشاعر الصهيوني.
يقول في المقطع الأول:

أعطوه إصبعا لكنه أخد اليد كلها
وأعطوني اليد كلها ولكني لم آخذ حتى الإصبع الصغير
بينما كان قلبي
ينوء بأحاسيس الأولى
كان هو يروض هيجان الثيران
كانت نبضاتي مثل قطرات الصنبور
مثل مطرقة تدق على حائط من حديد
لقد كان أخي الكبير
وقد حصلت على ثيابه المستعملة.

كيف يمكن أن نفهم الإسقاط التاريخي ، ثم كيف تفهم تفاعل الشاعر مع التاريخ ومع شخصياته التي تعتبر أساسية في تكوين الفكر الصهيوني واستناداته الدعوية والفكرية.
شاؤول هنا ليس بحد ذاته الملك التاريخي الذي تقول التوراة بأنه أول ملك لبني إسرائيل بعد عصر القضاة.وإنما هنا هو رمز القوة ، رمز الملكية التي إن عرض عليها القليل حصلت على كل شيء لكن المفارقة التي يطرحها عميخاي هو المقارنة بين اليهودي المعاصر واليهودي التاريخي التوراتي، فهو ليس بالطامع هو ليس بالطامع ليأخذ ما يعرض عليه هو يريد أن يقول :إن اليهودي الحديث قنوع إلى حد الإفراط فهو يرى أن العالم منحه كل شيء – وهو غير صحيح طبعا- لكنه لم يأخذ أي شيء لذلك يجيب عن ذلك بقله :أعطوني اليد كلها فلم آخذ حتى الإصبع الصغير .
إن ذلك يعني منحه القوة المطلقة لكنه لم يرض بها لأنه لا يريد سوى أن يكون إنسانا متواضعا إلى الحد الذي يستحق به الشفقة والاحترام.
وأعتقد أن الشاعر أراد أن يقول في المنحى التاريخي المعاصر إن اليهودي الذي احتل فلسطين هي حق له وهذا حق طبيعي ولم يمنحه أحد لليهود فلا منة لأحد على اليهود الصهاينة الذين احتلوا فلسطين ظناً منهم أنها حق طبيعي لهم. لقد افترض الشاعر أن العالم الغربي عرض على الصهاينة أي مكان يريدون ليقيموا كيانهم عليه لكنه (أي اليهودي) رفض كل منح الدنيا وضحى بها من أجل ما يسميه عودته إلى حقه في أرض ميعاده وهي فلسطين.
ثم يقول الشاعر :

بينما كان قلبي / ينوء بأحاسيسه الأولى
كان هو يروض هيجان الثيران

فما هي أحاسيسه الأولى التي ينوء قلبه بها ؟ هل ي القلق .هل هي الخوف من المجهول .هل هي الاضطهاد .أم هي الأحلام التي يحلم بها وتلف بها الضلال السوداء ؟ أحاسيسه هي أحاسيس كل صهيوني عاش فترة الأربعينات وما بعده ، وهذا ما فرضته عليهم التربية الصهيونية التي جعلتهم يشعرون بالقلق والخوف الرعب ويشعرون كذلك بالبدائل وهذه البدائل تحول القلق لديهم إلى حقد أسود على الفلسطينيين والخوف إلى رصاص انتقامي من أبرياء ليس لهم ذنب من خلق ذلك التوتر النفسي اليهودي .إننا نلاحظ الصورتين اللتين وضعهما الشاعر في هذين السطرين من القصيدة ،صورة الملك شاؤول الذي يروض هيجان الثيران .وهيجان الثيران هنا لا يخص الثيران إنما هو رمز للذين وقفوا في وجه أطماع شاؤول وهم بالتحديد هؤلاء الفلسطينيون الذين حاربوا شاؤول طوال فترة حكمه على أسباط إسرائيل عندما تسربوا إلى هذه الأرض فقد أسقط الشاعر ذلك الصراع التاريخي في قصيدته لكنه من زاوية أخرى يريد أن يقول لكل يهودي : إن هناك صورتين لليهودي صورة شاؤول القوي وصورة اليهودي المرعوب الذي ينوء بأحاسيس الوجود والحياة والبقاء فما على اليهودي إلا أن يكون مثل شاؤول حتى يحقق قوته ويحقق ذاته وهويته .
يصور الشاعر حالة نفسية باعتباره يتحدث عن هذا اليهودي الذي عاش فترة القلق والاضطراب يقول:

كانت نبضاتي مثل قطرات الصنبور
مثل مطرقة تدق على حائط من حديد

إن هذا يعتبر من الاضطرابات والخوف والقلق فهذه النبضات باردة تارة ومترقبة وتارة صاخبة صارخة مثل مطرقة تدق على حائط من حديد.
وعندما يقول الشاعر:

لقد كان أخي الكبير
وقد حصلت على ثيابه المستعملة.

هل كان الشاعر يقصد من كلمة أخي الكبير شاؤول نفسه قد يكون ذلك وقد يكون يرحز الى أخوية اليهودية . وربما كان القصد من قوله حصلت على ثيابه مستعملة .تلبس حالة شاؤول ليكون اليهودي على الأقل متذكرا أن الذي يرتدي ثياب الأقوياء ربما يصبح قويا مثلهم منتحلا قوتهم.
في المقطع الثاني من القصيدة يقول عميخاي.

كالبوصلة سيأتي به رأسه دائما إلى الشمال مستقبله المؤكد
لق أصبح قلبي مثل ساحة منبهة
وكلما نام أحدهم سيصرخ
حتى تبح أصوات كل الطرائد
ولن يوقفه أحد
الحمير وحدها ستحمل أسنانها الصفراء في النهاية.

من الواضح أن القارئ لهذا المقطع يشعر بأنه ثمة رابط بين المعاني والكلمات ولكن إذا عدنا إلى عنوان القصيدة .(الملك شاؤول وأنا) ندرك أن المقارنة ما تزال قائمة بين شاؤول وبين أي يهودي معاصر فسلطة شاؤول تمنحه أن يصرخ في آذان كل جنوده كي يظلوا يقظين .وقد عبر الشاعر عميخاي عن بعض أتباع شاؤول بالحمير التي هي رمز للغباء .فهي لن تستجيب لشاؤول ولا لقوته ولملكه لأنها لم تتعود إلا على أكل التبن بشراهة لذلك عبر عن ذلك بقوله ستحمل أسنانها الصفراء إلى النهاية وتتبين المقارنة والمفارقة عندما يقول

عندما خرج يبحث عن الحمير
التي وجدتها أنا الآن
غير أني لم أعرف كيف أسوسها
لقد رفستني
رفعت مع التبن
وسقطت مع البذور الثقيلة

ويرمز عميخاي إلى انتصار القوة التي تمتع بها شاؤول.كأنه في هذا يطلب من اليهودي أن يكون قويا يقاتل بأي أداة حتى ينتصر.
يقول:

غير أنه تنفس رياح تواريخه
كان موهنا بالزيت الملكي كالمحرقات المشحمة
وقد قاتل بأشجار الزيتون
فأجبرهم على الركوع
انتفخت الجذور على جبين الأرض والتوت
وهرب الأنبياء من حلبة الصراع
وظل الله وحده يعد
سبعة، ثمانية. تسعة عشر
وابتهج الشعب وهو يهبط على منكبيه
لم يقف أي رجل
فقد ربح.

إن الإسقاط هنا يقول :بالقوة الملكية وحدها يساس اليهود. فالجميع يركعون لشاؤول لأنه استطاع أن يخضعهم بالقوة ويشير هنا إلى أن القوة هي التي تصنع نصر اليهود وليس قيادة الأنبياء .فالأنبياء يهربون من حلبة الصراع ليضل المقاتل الوحيد الذي يحمل سلاح القوة. وهذا ما يذكرنا بمقولات زعماء كثيرون من الحركة الصهيونية عندما يقول لن يهبط الله من السماء ليصنع (إسرائيل ) ولن ننتظر الأنبياء حتى يقودوا شعب (إسرائيل) ليحقق طموحاته في بناء دولة . إذا فالقوة وحدها كفيلة بأن تقوم دولة وعلى اليهود أن لا يلتفتوا إلى دعوات الأنبياء بل عليهم أن يلتفتوا إلى أمثال شاؤول الذي حمل السيف وقاتل حتى ثبت ملكه وخضع له الجميع.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث