الشعر الصهيوني و الوطن الوهم/ الوطن الأسطوري PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : د حسن الباش

image120

بين وهم الوطن والأسطورة تنبثق أصوات شعرية صهيونية تعبر عن أزمة الأزمات و هي السؤال السوداوي الأول هل دولة (إسرائيل) على الرغم من وجودها مسلحة بالقوة العسكرية و الدعم الغربي غير المحدود قادر على البقاء ؟ هل وجودها حقيقة تترسخ في قلوب اليهود وأذهانهم أم هي رغم ذالك كله وهم وأسطورة كبقية الأوهام و الأساطير؟

لقد طرح كثيرون من اليهود أفكارا تدل على قناعات راسخة بعدم تحقيق حلم الدولة كما يتصورون . فالحلم الذي ينشدون ليس مثل الواقع الأرضي الذي ينبئ دوما بالخطر و الخراب و القلق وعدم الاستقرار.
وحتى الأدباء شعراء كانوا أم كتابا عاينوا هذه التجربة النفسية فعلى الرغم من نشرهم قصائد تحرض وتوجهإلا أن بعضهم عبر عن داخله بأسلوب آخر ينم عن القلق الأساسي الذي يقول إن ذالك الوطن المتصور سيضل في إطار الحلم و الخيال وتلفه الأسطورة لفا كاملا.
في هذا الإطار تقع بين أيدينا قصيدة للشاعرة الصهيونية الألمانية نيللي ساخس بعنوان ( لماذا الجواب الأسود ) لتفصح عما قلناه . فهذه القصيدة تشير إلى وطن حلم-أسطوري بعيد. وهذا الوطن الموعود لا تسنده حقيقة واقعية و لهذا الوهم-الأسطورة أناس اندثروا خلال الزمن. وإن العالم ضد ذالك الوهم و ضد أن توجد إسرائيل على ارض اغتصبت بالقوة بعد تشريد أهلها الأصليين

الشاعرة الصهيونية الألمانية نيللي ساخس

الشاعرة الصهيونية الألمانية نيللي ساخس

تقول الشاعرة ساخس:

لماذا جواب الكراهية الأسود
لوجودك يا إسرائيل
أنت غريبة
غربة نجم بعيدة عن كل النجوم
وأنت مباعة لهذه الأرض
لا بد أن تقطعي من أجل الوصول
كل هذه العزلة.

ففي هذا التساؤل استنكار. فالشاعرة تدرك أن الحق الكوني يرفض وجود هذا الكيان . فلماذا يكره هذا العالم وجوده؟ وبأسلوب غير مباشر تصرح الشاعرة أن هذه (إسرائيل )غريبة مثل النجمة المنفردة عن كل النجوم. فهي معزولة لأن البشر يكرهون وجود الباطل على أرضهم ،ويكرهون هذا الكيان لأنه متميز متفرد عن الجميع .وهذا التميز ليس ايجابيا بل هو تميز خبيث يرفض الآخرون حتى الاقتراب منه و التعامل معه. إذا هي كالنجمة المنعزلة غير المقبولة من الآخرين.
وتدرك الشاعرة أن هذه العزلة ليست صدفة أو عفوية لذالك تقول وأتت مباعة لهذه الأرض. فمنذ البدء فرض الصهاينة العزلة لأنهم يرون الآخرين بمنظار عنصري اليهودي عنصر آخر غير البشر .تعاليم التلمود و الفكر العنصري خلقا نموذج اليهودي الذي يكره العالم و يكره الأخر، فإذا كانوا يريدون وجودا حقيقيا مقبولا عليهم أولا كسر هذه العزلة ، وقطعها حتى يتقبلها الناس.
ثم تقول الشاعرة :

أصلك ثابت في العشب
نجومك تقايض
من أجل كل ما يعود أخيرا
للفراش و الديدان
وها هي معزولة عن شواطئ الزمن
الرحلة المملوءة بالأحلام
مثل ماء القمر المسفوح في أرض خالية.

وفي هذا المقطع يظهر باطن القلق عند الشاعرة . فهي ترى أن كل محاولات الصهاينة إقناع العالم بوجود دولة – وطن لن يجدي لأن الأصل في هذا الكيان هو الخراب
إنهم يحاولون أن يثبتوا لكنهم يدركون أن البناء في أساسه يحمل موته في نفسه فكل ما يقومون به ستكون نهايته إلى فراش و للديدان أي إلى الفناء الحتمي وعلى الرغم من كل جهودهم ترى الشاعرة أن (إسرائيل) اليوم معزولة تماما عن شواطئ الزمن فهي غير موجودة في سجل التاريخ المعاصر بمعنى أنها وهم رغم وجودها
وتتابع الشاعرة :

في ترانيم الآخرين
طالما جاء صوتك
نغمة أوطأ
نغمة أعلى
لقد رميت بنفسك في دم شحن المساء
مثل ألم يبحث عن ألم
طويل ظلمك
لكنه صار متخلفا عنك يا إسرائيل

فالشاعرة هنا ترى أن جميع شعوب العالم يرتفع صوتها لأنها متأصلة في وطنها بينما صوت إسرائيل يخبو ويعلو و لا يقنع أحدا. فصوتها يضيع بين ترانيم الشعوب كلها .ومن المؤكد أن صاحب الحق يمتلك صوتا قويا لكن الذي قام على الباطل يضل صوته خافتا أو عاليا وهو يرتجف وهو يدافع عن باطل /يدافع عن وهم .ولا يدافع عن وجود ثابت ولا عن حقيقة واقعية.ولماذا كان صوته أضعف عن أصوات الآخرين ؟ إن الشاعرة ترى أن هذه الدولة إسرائيل رمت بنفسها في أتون الباطل في دم شحن المساء رمت نفسها بالظلمة و العتمة لتخبئ باطلها عن أعين الآخرين .وترى الشاعرة أن هذا الاختباء ليس سوى هروب من الألم إلى ألم.ألم القلق و المتاهة وعدم القناعة بالوجود.
حتى الأحلام و الأمنيات التي تخيلها قادة الكيان أصبحت ضئيلة ومتخلفة عن وجوده لهذا عبرت عن ذالك بقولها (طويل ظلك لكنه صار متخلفا عنك). فالأحلام تكسرت و تصاغرت حتى تقزمت وأضحت أصغر من الواقع نفسه.
ولعلها أخيرا تصل إلى النهاية نهاية هذا الوجود الإسرائيلي ونهاية هذا الباطل

كم بعيد طريقك عن البركة
لا بد من سيرك عبر دهر الدموع
إلى حيث ينحني الطريق
إلى حيث تتحولين رمادا
وأعدائك بدخان جسدك المحترق
يحفرون لإنسانك الفاني
قبرا في جبين السماء.

فنلاحظ النهاية المحتومة الحتمية لوجود إسرائيل فالشاعرة تعبر عن قناعتها بأن هذا الوجود الباطل سينتهي. إنها ترى أن حتمية الزوال قادمة مهما طال الزمن .فلا بد أن يسير هذا الوجود الإسرائيلي في بحر من الدمع في دهر طويل من البكاء والمآسي .هذا الطريق المأساوي يصل إلى نهاية حتمية وهي نهاية رمادية ،اندثار والزوال .عندها ترى الشاعرة أن أعداء(إسرائيل) يحفرون قبر النهاية الحتمية .لكن هذا القبر حسب إحساس الشاعرة وفخرها و اعتزازها بالإنسان اليهودي سيكون في جبين السماء
وأخيرا نقول:

آه مثل هذا الموت
حين كل الملائكة تهرع لعونك
بأجنحة نازفة
وأنت تظلين معلقة ممزقة
في أسلاك الزمن الشائكة
لماذا جواب الكراهية الأسود
لوجودك يا إسرائيل؟

بعد هذا كله نرى أن التأمل في المعاني قصائد الشاعرة ساخس يقودنا إلى القول أننا أمام قصيدة تتشكل من مقطوعات رثائية وغنائية حزينة لا تسندها حقيقة فكرية صلبة . والمعاناة التي تحملها هذه الشاعرة و الشعراء الصهاينة بشكل عام ذات نهايات عشوائية لا تنتهي أبدا كما تبدأ من نقطة معينة محددة.
وإن كل مهمة هذه الأشعار هي استدرار العواطف لحال هذا البعيد عن حلمه .فإذا علمنا أن هذا الحلم هو خيالي النشأة و النهاية .وأنه حلم غير مشروع على المستوى الإنساني و الواقعي يكون مطب القصائد غير مقنع أولا مشكوك في جدية معاناته ثانيا.
لهذا كله قال الناقد الانكليزي ميشيل همبرغر و الذي درس قصائد الشاعرة ساخس ( في أعمال ساخس نجد التعامل مع الموضوع أسطوريا و صوفيا أكثر مما هو واقعي )



 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث