العبوشي : فارس السيف والقلم وضحية اللُّجوء! PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : محمد توكلنا

بيت فلسطين للشعر اختاره شاعراً لشهر شباط

برهان الدين العبوشي

ولد الشاعر برهان الدين العبوشي في مدينة جنين بفلسطين عام ألف وتسعمائة وأحد عشر , وأنهى دراسته الابتدائية في مدارس جنين، أما دراسته الثانوية فقد تلقاها في كلية النجاح الوطنية بنابلس, ثم انتقل بعدها في عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين ليكمل دراسته في الكلية الوطنية في الشويفات بلبنان , ثم التحق بالجامعة الأميركية ببيروت في عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثلاثين ، وبسبب مواقفه الوطنية والقومية فإنه لم يتمكن من إكمال ومتابعة دراسته الجامعية فيها إثر قرار بفصله منها أصدرته إدارة الجامعة مطلع العام الثاني , وعين موظفا في البنك العربي في طبرية, ثم نقل بعدها إلى القدس.

وقد شارك في ثورة عام ألف وتسعمائة وستة وثلاثين في فلسطين, واعتقل في القدس ونفي إلى ( عوجـا الحـفير ) في صحراء سيناء ثم إلى معتقل ( صرفند الخراب ) , واعتقل ثالثةً وأودع في معتقل ( المزرعة ) لمدة عشرة أشهر بعد مصرع الحاكم البريطاني ( أندروس ) .
انتدب للتعليم في العراق عام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين ( بُعَيد اغتيال الملك غازي في بغداد ) , كما شارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني بالعراق عام ألف وتسعمائة وواحد وأربعين وجرح فيها , وبعد فشلها وصدور أمر إلقاء القبض عليه توجه إلى الموصل ( شمالي العراق ) ومن هناك هربته العشائر البدوية العربية إلى دمشق حيث مكث فيها أياماً ليعود بعدها إلى مسقط رأسه جنين متخفياً , ثم شارك في معركة جنين عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين مع المجاهدين الفلسطينيين جنباً إلى جنب مع الجيش العراقي . وانتقل إلى العراق نهائيا ًعام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين وعمل مُدَرِسّـاً للغة العربية في مدارسها, وتنقل خلال هذه الفترة في مدن العراق المختلفة كالعمارة وسامراء والحلة والديوانية والنجف الأشرف, واستقر به المقام أخيراً في بغداد حيث أحيل إلى التقاعد من الثانوية المركزية عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين بعد أن مكث فيها قرابة ثلاثة عشر عاماً متواصلة.
شارك في العديد من مؤتمرات الأدباء والكتاب العرب في بغداد والقاهرة وغزة , وألقى خلالها قصائد شعرية خاصة بتلك المؤتمرات.
بعد جهود بذلها كل من الأستاذ الوجيه خليل كنّـه والأستاذ الوجيه برهان الدين باش أعيان, وهما من رجالات السياسة الوطنيين المرموقين في العهد الملكي في العراق فقد منح الجنسية العراقية عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين .
وفي عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين تزوج من فتاة عراقية من عائلة آل الحافظ المعروفة في مدينة الموصل العراقية, وهي من عشائر السادة الحياليين الذين يرجع نسبهم إلى الإمام علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه)، فكانت ثمرة هذه الزيجة المباركة ولدان: البكـر ( سماك) والثاني ( حسن) .
لـبّى نداء ربه في الثامن من شباط /فبراير عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين ودفن في مقبرة الشيخ معروف في الكرخ – بغـداد.
وكان الشاعر قد بدأ رحلته الشعرية منذ نعومة أظفاره وهو في المدرسة الابتدائية , فمن مذكراته قوله : " وأعتقد أن أول بيت بدأته في حياتي في المدرسة الابتدائية هو :

أحمامةَ الوادي إليَّ تعالي.................................وترنحي نشوى هوى بدلال
وتلطفي فوق الغصون ورجِّعي.................................وترنحي بعذوبة ودلال

فلسطين في شعره
شعر العبوشي جلُّه في فلسطين, فهو لم يعبأ بغزل ولم يشبب, ولكنه حمل قضية فلسطين في شعره, وكان يرى مراوغات البريطانيين وخداعهم للعرب وإضاعة الوقت عليهم بالمفاوضات, فكان يدعو لأن تحل الرصاصة مكان الكلمة, لأنها وحدها التي تردي المستعمر وتجعله يقنع غصباً عنه, يقول :

خُذْ مِنْ لِسان البندقيه .................................لحناً يثير بك الحميَّه
فلسانُ ثغركَ لا يفيدُ .................................الناسَ في حَلِّ القضيَّه
لغة الرصاص هي الفصيحة ................................. واللسان هو المطِيِّه
فهي التي تردي وتقنع ................................. من تمَرّغ في الدنيِّه

إنه في أشد الحزن على أمته التي تتغابى وتتغابن , فلقد حكّمت فيها اللئيم وجارت على الحكماء الكرماء وآذتهم , يقول :

أمتي قطَّعتْ نِياطَ فؤادي.................................بالتَّغابي وبالتّغنِ أخرى
حكَّمتْ أمتي اللئيمَ عليها .................................فهو يَقضي بها ويُبرِمُ أمرا
والحكيمُ الكريمُ جارتْ عليهِ................................. عَصرتْ عودَهُ لتَشربَ خمرا

وكان ينكر على الإنجليز طلبهم من عرب فلسطين أن يحالفوهم ويشردونهم ويذبحونهم ويظاهرون عليهم اليهود , فهو يقول في قصيدته التي تحمل عنوان ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) التي نشرها في ديوانه ( جبل النار ) :

أرهقتمونا وقربتم منايانا.................................واليوم تبغوننا ننسى ضحايانا
لم تتركوا فوقها أنثى ولا ذكرا................................. ًإلا قتلتم له أهلاً وأخدانا
ولم تراعوا لأهل الدين حرمتهم .................................بل انتبذتم وراء الجور صِبيانا

إلى أن يقول :

أبعدما جرتمُ واشتطَّ حاكمُكم ................................. جئتم تريدوننا أهلاً وخلانا
أبعدما بعتم صهيون حرمتنا.................................وعرضنا تبتغون العرب إخوانا
لا كانت العرب إن مدت لكم يدها ................................. بغير سيف تجلت فيه أخرانا

وقد كان شاعرنا مناضلا بسيفه وقلمه معًا فكان يشارك في المعارك بسلاحه في المعارك التي تجري ضد المستعمرين الإنكليز والغزاة الصهاينة في فلسطين ويصفها بقلمه , فهو يقول في وصف معركة جنين التي جرت عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين واشتراك الجيش العراقي مع إخوانهم الفلسطينيين في المعركة:

بينما الناس في أسىً واكتئاب ................................. والمنايا تطوف بين الروابي
وسلاح العدا حديد ونار ................................. وجناح يطير فوق الروابي
بينما الطفل قد تلاشى أبوه.................................وذوات الحجاب دون حجابِ
فتساءلت مدنفا رب من ذا ................................. قال جيش العراق زين الشبابِ
جيش سعد وخالد وصلاح ................................. جيش رب السماء رب الكتابِ

إن العبوشي كما ذكرنا قصر شعره على أمته وأوطانه ولم يشتغل بشعر الغزل والنسيب , وهو يرد على الذين لاموه في ذلك فيقول في مقدمة ديوانه ( النيازك) :
" لقد لحاني بعضهم أن شعري لم يتعد الوطنية والثورة, وأني لم أف حق النسيب والتشبيب والغزل فيا عجباً من هزل هؤلاء في نكبتهم وجدّي في مصيبة وطني, وهل الشعر إلا شعور؟ وهل ثمة حب فوق حب وطن يعيش في الحبيان؟ أأضع ( الوهن) بدل ( الوطن) و( العورة ) بدل ( الثورة ) ليرضى عني اللاحون ؟ أنا لم تنطقني الشهوة بل أنطقتني الكرامة والكرامة أمّ الروح أو بنته, والروح أسمى من شهوة الجسد.. "
وقال ردّاً على من لاموه لمدحه بعض الملوك :" لقد مدحت بعض ملوك العرب وأنا طالب وبعد التخرج لأستدر عاطفة الخير والحَمِيـَّة فيهم عسى أن ينقذوا فلسطين وأخواتها، والملوك آنذاك كانوا عرباً يمثلون الرأس العربي صالحاً كان أم طالحاً، ولم تكن أشعاري فيهم مدحاً خالصاً، بقصد المدح وإنما كان مدح توجيه يذكِّرهم بأجدادهم الفاتحين ليسيروا على نهجهم ولا يكونوا تابعين. ولم أكن لأدنس روحي بصلات أحد منهم أو من غيرهم فإنني من أهل غنيت نفوسهم وبيوتهم.. "

شهادة ولده سماك
" لقد أولى والدنا - رحمه الله - تربيتنا وبناء شخصيتنا وتحصيلنا العلمي عناية كبيرة، فعمل جاهداً على ترسيخ مبادئ العروبة والإسلام جنباً لجنب مع حب العلم والثقافة في ذاتنا منذ نعومة أظفارنا، فكان دائم التذكير لنا بمآثر العروبة وبطولات رجالاتها على مر العصور، وغالباً ما كان يحدثنا عن الفتوحات العربية الإسلامية والغزوات التي قام بها رسولنا الكريم ( صلى الله عليه وسلم) من أجل نشر الإسلام، وكان كثيراً ما يتغنى بحكمة الإمام علي بن أبي طالب وشجاعته، ويستشهد بعدالة الفاروق عمر بن الخطاب وذكاء سيف الله المسلول خالد بن الوليد ودهائه وبسالة سعد بن أبي وقاص ( رضوان الله عنهم أجمعين ) ، ولا أزال أذكر جيداً في ستينيات القرن الماضي أنه كان حريصاً على شراء مجلة " العربي " التي كانت تصدر آنذاك في الكويت وتوزع بانتظام في مكتبات بغداد، وكان ( رحمه الله ) حريصاً جداً على أن يدفع إلينا بكل عدد يشتريه من هذه المجلة بعد أن يفرغ منها لنقلب صفحاتها ونطلع بشكل مبسط على ما ينشر فيها وكان بذلك يرمي عصفورين بحجر واحد، أولهما تقوية لغتنا العربية، وثانيهما توسيع مداركنا العقلية واكتسابنا للمعرفة منذ نعومة أظافرنا, وكثيراً ما كان يشجعنا على محاورته والاستفسار منه عن أي موضوع يسترعي انتباهنا في هذه المجلة, ولا سيما تلك المقالات التي تـُعنى بالإرث الحضاري العربي الإسلامي تحديداً..

إصداراته
وللشاعر أربعة دواوين مطبوعة كلها وهي: ( جبل النار ) و( النيازك) و( إلى متى ) و( جنود السماء ), وله أربع مسرحيات شعرية مطبوعة أيضاً وهي: ( وطن الشهيد ) و( شبح الأندلس ) و( عرب القادسية ) و( الفداء )
وقد أصدر سيرته الذاتية بعنوان ( من السفح إلى الوادي.. ألبّي صوت أجدادي )
وأعادت دار مؤسسة فلسطين للثقافة والشعر طباعة مسرحيته ( شبح الأندلس ) عام ألفين وستة.
كما أصدرت المؤسسة ذاتها أعماله الكاملة بعنوان ( فارس السيف والقلم ) في عام ألفين وتسعة. ولقد كان- رحمه الله - فارس السيف والقلم بحق, فقد قضى حياته مجتهداً مجاهداً بسيفه وقلمه. ♦

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث