الشعر الصهيوني ..الأدلجة وسقوط الفن PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : الدكتور حسن الباش

حسن الباش

منذ أن نشأت الصهيونية حوّلت الإيديولجية إلى مسار حياة شمولي ومن خلاله تقيّد الأدب والفكر والمسرح وبقية الفنون بهذه الإيديولوجية . وصار الشعر يعبر عنها – مثله مثل بقية الفنون- دون الالتفات إلى الشكل الفني الذي عرفته الفنون الشعرية الأوروبية أة الشرقية.

وعندما نضع بين أيدينا مجمل ما أنتجه الأدب الصهيوني من شعر على مدى أكثر من مئة عام نرى أنواعا من التفاوت بين مرحلة ومرحلة وبين لغة وبين موجة شعرية وموجة أخرى .
فالأدب الصهيوني في القرن العشرين والأدب الذي أُنتج بعد عام 1948 أي بعد احتلال فلسطين وقيام الكيان الصهيوني هو غيره عن الأدب الذي أًنتج قبل ذلك التاريخ . والشعر الصهيوني الذي كُتب باللغة العبرية هو غيره عن الأدب الصهيوني الذي كُتب باللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات .
وعلى هذا يمكن لنا أن نصنف هذا النتاج إلى :
1- أدب صهيوني
2- أدب صهيوني عبري
3- أدب ( إسرائيلي- صهيوني)
4- أدب صهيوني غربي
وإذا أردنا التعمق أكثر فأكثر وجدنا أمامنا آلاف النصوص الشعرية التي تندرج هنا وهناك ونرى أشكالا فنية تختلف من جييل إلى جيل ومن لغة إلى لغة أخرى ومن مرحلة إلى مرحلة .
ومع كل ذلك فإن شيئا ما يجمع النتاج الشعري الصهيوني في إطار واحد من حيث الفكر . هذا الغطار هو فكر الحركة أو الفكرة الصهيوني . ويمكن لنا أن نميز في مراحل هذا النتاج الشعري طبيعة الخطاب ، وطبيعة الشكل الفني حسب كل مرحلة .
إذا رجعنا إلى الشعر الصهيوني في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر نرى أن الخطاب والمعاني والحالة الشعرية تتجه للإفصاح عن مأساة . فقد صب الشعراء ولا سيما آحاد عام كل أفكارهم لإظهار التراكمات المأساوية التي مرّ بها اليهود . وهي في جميعها أحداث تتضخم في النص الشعري . فهناك التشرد والشتات . وهناك بعض المجازر التي ترتكب وهناك الملاحقة والطرد . وغيرها وغيرها . فحتى يكون اليهودي محل الشفقة من الآخرين كان لا بد من اللجوء إلى هذه المعاني ، وإضافة لذلك تبرز لنا معاني الانعزال والانطواء والتمرد الداخلي أي النفسي . ولعل بداية الفكرة الصهيونية تطلبت أن يُظهر الشاعر اليهودي حالة من التمزق والسواد والنقمة على كل شيء . ولكن بطريقة لا تبتعد أيضا عن مخاطبة العواطف والمشاعر لدى الآخرين .
ومن الأساليب التي اتبعها الشعراء اليهود آنذاك التركيز على نماذج شخصية يهودية تجلب الوقوف إلى جانبها عاطفيا . كالتركيز على طفلة شردت أو طفل قُتل أو مجموعة من اليهود الحزانىالذين يبحثون عن ملجأ هربا من التضييق أو الملاحقة وهذا ما نراه في أشعار مناحيم بياليك وآحاد عام وغيرهما من شعراء تلك المرحلة . ويمكن ان نلاحظ كثرة المعاني التي لا تغيب عنها صور المأساة المفترضة التي يعيشها اليهود في روسيا وألمانيا ةغيرها من بلاد أوروبا التي أرادت آنذاك التخلص من انغلاق اليهود وعقدهم العنصرية الداخلية .
وعندما اصبحت الخركة الصهيونية إطارا منظما له أهدافه وتطلعاته الاستعمارية . اشتدت النداءات الشعرية اليهودية باتجاه نبش التاريخ وإسقاطه على الحاضر والمطالبة باستعمار فلسطين كملجأ أخير لانبعاث اليهود وحركتهم الصهيونية .
هذه الفترة تعتبر حاسمة بالنسبة لأدلجة الأدب والفن لدى الحركة الصهيونية . وتبدأ من نهايات القرن التاسع عشر وتمتد حتى نكبة فلسطين عام 1948 وإقامة الكيان الصهيوني ففي تلك المرحلة يبرز الاتجاه الشعري المعتمد على إحياء اللغة العبرية بشكل كبير . وهذا الاحياء يأتي استجابة للنظرة الصهيونية للمشروع الصهيوني الاستعمارري برمته . فبدل أن يظل أكثر الشعراء يكتبون بالإنجليزية أو الروسية أو الألمانية عليهم أن يجاروا خطة المشروع الصهيوني في إحياء اللغة الميتة والتاريخ المزور والعلاقة المفترضة بين الدين اليهودي و(الأرض الموعودة) فلسطين .
وهنا لابد ان نشير إلى ان العديد من الكتاب اليهود والشعراء وجدوا في اللجوء إلى اللغة العبرية قتلا لإبداعهم الشعري . فاللغة العبرية حسب رأيهم لا تصلح أن تكون إطارا للإبداع الشعري خاصة ان الكتابة بهذه اللغة سيحصرها فقط في إطار اليهود الذين يتقنوها وهذا يعني أن بقية شعوب أوربا وغيرها لن يعرفوا هذا الإبداع لأنهم لا يعرفون العبرية التي تعتبر من أضيق اللغات في العالم . إذا ستكون النتاجات الشعرية اليهودية موجهة فقط لفئة محدودة جدا وهي فئة اليهود دون غيرهم وستكون نصوصهم عبارة عن بيانات سياسية توزع بين هؤلاء الذين راحوا يتحركون لإنشاء مشروعهم الاستعماري في فلسطين . وهنا لا بد إن نقول : إنه في إطار التحريض على الهجرة إلى فلسطين يصبح الشعر نداء سياسيا ويفتقد لأية فنية شعرية وهذا ما قاله العديد من النقاد اليهود والأدباء الذين عاشوا خارج هذا الإطار وحكموا على هذا النتاج الشعري بموضوعية في أغلب الحيان .
ولا شك أن هذه الفترة زخرت لدى اليهود في أوربا الشرقية بالاتجاه التاريخي التوراتي والاستفادة من معطياته ليكون عامل تحفيز لدى الفئات اليهودية المنتشرة في العالم وعند الانتقال إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة إقامة الكيان الصهيوني وحدوث النكبة نرى تغيّرا جذريا في الاتجاهات الشعرية اليهودية الصهيونية خاصة لدى هؤلاء الذين هاجروا إلى فلسطين وراحوا يقيمون مشروعهم الاستعماري على أرضها .
في هذه المرحلة تتشابك الأمور السياسية والاجتماعية إلى حد التعقيد . فالكيان الصهيوني ينتهي من حرب ليشن اخرى . وبمعنى من المعاني بدأ اليهود يشعرون بالخطر أكثر فاكثر لكنهم طالما وُجدوا على أرض فلسطين فإن أهم مرتكزاتهم هي تأجيج العداء إلى أقصى مدى مع العرب والفلسطينيين خاصة . وهذا العداء سيكون له اكبر انعكاس على النتاج الشعري اليهودي الصهيوني . حتى أن المعاني الشعرية سيطرت عليها روح العنصرية بكل تجلياتها دون مواربة أو تحايل على اللغة .
ويمكن لنا أن نميز في هذه المرحلة كثرة الشعراء وسهولة الكتابة والنشر مهما كان المستوى الفني متدنيا . وإذا نظرنا إلى نماذج من الأشعار التي كتبت على إثر العدوان الصهيوني على لبنان عام 1982 نجد اختلافا عما عرف من نتاج في مراحل سابقة . لقد أفصح الشعراء عن حس عنصري يصل إلى مداه . دون أي اعتبار للشكل الفني . فالمهم أن يكون التحريض على القتل واضحا وخاصة تجاه أبناء المخيمات في جنوب لبنان وبيروت وقد مثل هذا الاتجاه عدد من الشعراء المتطرفين أمثال نعمة شيمرويناثانغيفن وغيرهما .
لقد بدا تماما أن النتاج الشعري في مرحلة ما بعد عام 19487 وحتى اليوم ليس سوى بيانات سياسية عنصرية تحرض على الحرب والقتل والإبادة وصب الحقد على الإنسان الفلسطيني باعتباره العدو الأول للصهاينة ولمشروعهم الاستعماري في فلسطين .
ومما يذكرنا في هذا المجال أن النتاج الشعري اليهودي الصهيوني في هذه المرحلة لم يُكتب إلا باللغة العبرية . وهذا ما جعل الكثيرين من النقاد العالميين في حلٍ من دراسة هذا النتاج كونهم لا يعرفون اللغة العبرية ولا يهتمون بها . وهذا أيضا ما جعل هذا الشعر ينفلت تماما في رؤيته العنصرية كونه لن يُحاسب ولن يكون تحت الأنظار النقدية والدراساتية .
وبالمحصلة فإننا نستطيع أن نستنتج النقاط التالية .
1- اللغة العبرية لغة ميتة كما قال المفكر اليهودي البريطاني إسحق دويتشر وغيره من كبار المفكرين والأدباء . ولا تصلح أن يُكتب فيها الشعر أو الأدب بشكل عام .
2- النتاج الشعري الصهيوني نتاج إيديولوجي ليس له أي أسس فنية
3- يتميز الحس الشعري بالعنصرية الفجة وهذا قلما معهده في نتاج الشعوب مهما كنت متطرفة
4- لا يهتم النقاد بالشعر الصهيوني العبري لأسباب عدة ذكرناها وأتينا عليها .
5- نعتقد أن قادة الحركة الصهيونية يهتمون بالتحريض والتوتر والاستفزاز .والشاعر أو الأديب محكوملهذه القيادة وليس محكوما للمعايير الأدبية الإبداعية. وكل من يخرج عن هذا الإطار من الأدباء يعتبر مرتدا معاديا ويجب أن يحاسب وهذا ما عرفناها من وقائع لدى بعض الشعراء الذين حاولوا انتقاد العنصرية الصهيونية.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث