من الأدب العالمي.....الشعر كفعل مكاشفة PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : يزن الحاج

من الأدب العالمي.....الشعر كفعل مكاشفة

دير الزور / صحيفة الفرات الأربعاء8 /2/2012
تبدو الكتابة بالمجمل, والشعر بشكل خاص, فعلاً ذاتياً وشخصياً موجهاً لجمهور من المتلقين, يسعى من خلاله الكاتب إلى عرض مخيّلته أو حالته الوجدانية أو الروحانية على الملأ, بقصد التخلص من عبء تراكم الأفكار والمشاعر في مخيلته من جهة, وعرض هموم, قد تبدو للوهلة الأولى, شخصية, وما تلبث أن تتضح أطرها العمومية مع وصولها إلى المتلقي الذي يشاطر الكاتب همومه.

سأحاول هنا, ومن خلال سلسلة مقالات, التحدث عن الأدب الناطق بالإنكليزية, عبر ترجمة نص كاملاً أو مجتزءاً, لكاتب ما, بهدف سد شيء من الثغرات الكبيرة في حقل الترجمة الذي يعاني من نقص فاضح عربياً, بطريقة تنأى عن التقليدية التي اعتدنا عليها عبر رؤية النص منبتّ الصلة بكاتبه أو ظرفه التاريخي, لأحاول إعادة النص إلى بوتقته الحقيقية تاريخياً وإبداعياً.‏
سأبدأ الحديث عن تيار شعري له خصوصيته في الشعر الأميركي, وهو (شعر الاعتراف أو المكاشفة) Confessional Poetry من خلال شاعرة تعد رائدته الأولى وهي سيلفيا بلاث, التي بقيت قصائدها المترجمة إلى العربية أسيرة محاولات مبعثرة قام بها عدة مترجمين لعل أبرزهم الشاعرة اللبنانية جومانا حداد. ولكن القصائد الكاملة لم تترجم بعد, وهو مشروع أعمل فيه بشكل متقطع.‏
يقوم هذا التيار بشكل أساسي على المكاشفة التي تكون واضحة في أعمال الشاعر, حيث يتناول تجربته الحياتية الشخصية كموضوع أثير في القصائد, وقد تكون التجربة نفسية (مترافقة مع مرض نفسي بشكل خاص), أو جنسية, أو حميمة.‏
انطلق هذا التيار بشكل أساسي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين, وأبرز شعرائه في أميركا سيلفيا بلاث, ألان جينزبرغ, وتيودور ريتكي. واستمر بشق طريقه حتى الثمانينيات قبل أن يخف تأثيره.‏
ولدت سيلفيا بلاث عام 1932 في ماساتشوستس في أميركا, وانتحرت في لندن عام 1963 عن عمر تجاوز الثلاثين بقليل بعد معاناة طويلة مع اكتئاب حاد, كانت فيه قد تزوجت الشاعر البريطاني البارز تد هيوز.‏
كتبت بلاث الرواية والقصة القصيرة وأدب الأطفال ولكنها برزت بشكل كبير في الشعر, حيث اشتهرت منذ أولى قصائدها في نهاية الخمسينيات, من خلال أسلوبها البسيط الساحر الحاد في آن. وقد كانت أولى كاتبة تحصل على جائزة بوليتزر للشعر بعد الوفاة, حيث نال الكتاب الذي ضم جميع قصائدها, بإشراف زوجها هيوز, على الجائزة عام 1982.‏

(الطِّيْبة)‏
الطِّيبةُ تحفّ منزلي.‏
سيّدتي الطِّيْبة, ما أروعكِ.‏
الجواهرُ الزّرقاءُ والحمراءُ لخواتمها,‏
تنفث سحباً على النّوافذِ,‏
فتمتلئُ المرايا بالابتسامات.‏
أيَّةُ حقيقةٍ أوضح من صرخة طفل؟‏
لعلّ صرخةَ الأرنب أكثرُ لوعةً,‏
لكنْ ينقصّها الرّوح.‏
السكّر يشفي كلَّ شيء؛ كذا تقولُ الطِّيْبة.‏
السكّرُ دفْقٌ ضروريّ.‏
كريستالهُ للنّعومةِ أقرب.‏
أوه, يالكِ أيتها الطِّيْبةُ‏
حين تجمعينه بنعومة!‏
فراشاتي اليائسةُ على الحريرِ اليابانيّ,‏
ستقيّدُها الرشَةُ, في أيةِ لحظةٍ, بتخدير.‏
وها أنتَ تأتي, بفنجانِ شاي.‏
مكلّل بالبخار.‏
انفجارُ الدّمِ شعرٌ؛‏
لا حيلةَ لمنعِ هذا.‏
وقدْ وهبْتَني طفلين, وردتين.‏

لا بدّ من الإشارة, بدايةً, إلى الطّريقة المحبِطة والمخِّيبة للأمل التي اتّبعها تد هيوز في نشر قصائد سيلفيا بلاث. ارتأى هيوز أن الطّريقة الكرونولوجيّة (التّسلسلية الزمنية) هي الأفضل, ولكنّه أضاع علينا, بذلك, لذّة رؤية القصيدة كجزءٍ من مجموعة.‏
«الطِّيْبة», بحسب هيوز, لم تكن ضمن قصائد كتابها الأخير (آرييل) كما خطّطتْ له. ولعلّ في ذلك بعضُ الحقيقة, إنْ صحّ تاريخ القصيدة, إذ تعدّ إحدى آخر قصائد بلاث قبل انتحارها المأساوي بعد عشرة أيام من كتابة هذه القصيدة.‏
نلاحظ في هذه القصيدة ابتعاد بلاث عن اللوحة الكبيرة, لو جاز التعبير, حيث فضلت مقاربة التفاصيل الهامشية التي تحمل صفاتها الخاصة والمميزة, دون أن تتخلى عن عناصر اللوحة الأساسية.‏
لا أثر للملحمية أو الفلسفة أو القضايا المباشرة في قصيدتها, بل ثمة حضور جليّ لمكنونات النفس, والبوح بكل مكاشفاته. فالأنين يغني عن الصراخ مثلاً, دون أن يقل حجم اللوعة أو الدفقة الشعرية, التي تبدو, على عكس الكثير من القصائد الملحمية, في أقصى تجلياتها.‏
روح بلاث هي العالم الذي يؤطّر قصائدها, والبيت الذي يبعدها, ولو تخيلاً, عن الحياة المنزلية الأساسية, كزوجة وأم.‏
لا أريد التوسع هنا في قضية العلاقة الإشكالية بين بلاث وزوجها هيوز, ولكن كم اللوعة في هذه القصيدة, بخاصة في وجع المرايا والنوافذ والفراشات, يثير ويطرح أسئلة كثيرة عن العلاقة بينهما.‏
باختصار, وعبر جميع قصائد بلاث التي وصلت إلينا, نحن أمام بلاث كما أراد هيوز إظهارها لنا, ويبقى الحكم الشخصي رهناً بكل ذائقة على اختلافها.‏

 

البحث