في ذكرى وفاة الشاعر راشد الحسين PDF طباعة أرسل لصديقك

شعراء يرثون شعراء

راشد الحسين

هكذا هي الأيام ...لها موعد دائم مع الموت أو الإنبعاث من جديد. يودع بعضنا بعضا ونحن معشر الشعراء يرثي أحدنا الآخر الذي سبقه بعد موعد مع الموت .
في الأول من شباط قبل 35 عاما خلت ارتقى الشاعر الفلسطيني راشد الحسين روحا إلى فضاءات غير فضاءاتنا ومضى جسدا في عمق التراب الفلسطيني ليمتزج معه من جديد بعد أن كتبه شعرا وذاد عن حياضه بالكلمة المعبرة والموقف الثابت.

لن نرثيه لأن الرثاء يعني نهاية أخرى أو خيبة جديدة إلا أنهم أرادوا رثاءه ، وهذه بعض كلمات من شعراء قضوا أو بقوا في رثاء هذا الشاعر العملاق ... صاحب القامة الشعرية الكبيرة.

أحمد حسين
راشد

جــددت عـــهـــدك والـــعــهــود وفــاء............. أنا علــى درب الكفــاح سـواء
نــــم فــــي ثــراك فلـــست أول عـاشق............. قتلته أعين أرضــه النــجــلاء
مــاذا يـــرد علــيـــهم أن يــــــخــتــفي............. رجل وملء الســـاحة الأبــناء
مـــيـــلاد مــوتـك مــوعــد لـم تــخـطه............. من قبلك الاحــرار والشــرفاء
وصــــباح نــعــيك صــيحة لـن تنتهي............. ما دام يسقط حــولك الشــهداء.
الحـــــب تـــعـرفـه وكـنــــت نـبـيـــــه............. والساح صمت والقلوب خـواء
الــحــب تــعـــرفـه أمـــا حـــدثــتــنـــا............. أغلى أماني العاشقــين عـطاء
أعـطـيـت جـهد الـموسريـن ولـم يـكــن............. في شـعـبـنا عـند الـفدى فـقراء
من كــان يـختلـــس الفــــداء فــــانــنــا............. منذ الــفداء الاهــل والابـنــاء
شعب المصيبة , نحن في عصر زنــت............. فيه الحضارة وانزوى الشرفاء
جــوع الـــمديــنــة مـــد فــينا نــابـــــه............. حتى تساوى الأهل والأعــداء
ان كـــان قـــصدهم دمـــي , فــليشربوه.............لكن أرضى الغول والــعنقـاء
ستظــل فـــي عــصب الزمـــان فـــجأة.............تــهفو لــها الأســماع والأنباء
سنظـــل نـحمــل وجـــه عودتنــا كمـــا............. تقع الظـلال وتحمــل الأسماء
قـــدر علــيــنــا أن تـــســيل دمـــاؤنـــا.............وعليهم ان يرغــمــوا ويسـاؤا
شـــعــبي الــنذير لأمــة مــنـــكــوبـــة............. يودي بها الخصيان والزعماء
مـــوتـــــوا , امـــا مــل الزمان غباءكم.............نصــف الــمــنية غفلة وغبـاء
لا تـــاس ان فقــد الـــمغني صـــوتــــه............. أو ضـيعت كلماتـها الـخطبـاء
أرضى القــصيد صــحائف مـــنشــورة............. للناظــرين وشعــبى القــراء
حيفــا علــى شفــتة الخليـــج قـصــيــدة............. هيهات يكتب مثـلها الشــعراء
ونــداء يـــافــا قــد سمـــعــت نــداءهــا............. والــمــوج رواح بـــه غـــداء
تتلـــقــف الشـطـــآن وقــــع حــروفـــه............. فيــلمــها عن رملــها الغربـاء
بـــاقــون مــا بقــي الــتــراب وعــائــد............. من شرد .. الأموات والأحياء
شــتقـــوا إزار الأرض تــظهــر تحتــه............. سمــراء فــحماويـــة حــسنـاء
حلــو لـــثام الـــقدس تشــرق خــلـــفــه.............أرض فلسطـينيـــة وســـمــــاء
لا بــأس هـــذي الارض باقيــة هــــنــا.............وسنكتب التاريخ كـــيف نــشاء
جــددت عــهــدك والــعــهــود وفـــــاء.............أنا على درب الـــكفــاح سـواء
نــم فــي ثــراك فــكـل صــباح مـوعــد............. أو ينتهي الأصبــاح والأمســاء


محمود درويش
كان ما سوف يكون


في الشارع الخامس حيّاني . بكى . مال على السور الزجاجي , ولا صفصاف في نيويورك .
أبكاني . أعاد الماء للنهر . شربنا قهوة . ثم افترقنا في الثواني .
منذ عشرين سنهْ
وأنا أعرفه في الأربعينْ
وطويلا كنشيد ساحليّ , حزينْ
كان يأتينا كسيف من نبيذ . كان يمضي كنهايات صلاه
كان يرمي شعرَه في مطعم " خريستو"
وعكا كلها تصحو من النوم ِ
وتمشي في المياه
كان أسبوعا من الأرض . ويوما للغزاهْ
ولأمي أن تقول الآن : آه !
ليديه الوردُ والقيد .ولم يجرحه خلف السور إلا جرحُهُ السيّد . عشاق يجيئون ويرمون المواعيدَ .
رفعنا الساحل الممتدَّ . دشّنا العناقيدَ . اختلطنا في صراخ الفيجن البريّ . كسرنا الأناشيد . انكسرنا في العيون السود . قاتلنا . قُتلنا . ثم قاتلنا . وفرسان يجيئون ويمضون .
وفي كل فراغ
سنرى صمت المغني أزرقا حتى الغيابْ
منذ عشرين سنهْ
وهو يرمي لحمه للطير والأسماك في كل اتجاه
ولأمي أن تقول الآن : آه
ابن فلاحين من ضلع فلسطينَ
جنوبيّ
نقي مثل دوري
قويّ
فاتحُ الصوت
كبير القدمين
واسع الكف . فقير كفراشه
أسمر حتى التداعي
وعريض المنكبين
ويرى أبعد من بوابة السجن
يرى أقرب من أطروحة الفن
يرى الغيمة في خوذة جنديّ
يرانا , ويرى كرت الإعاشة .
وبسيطٌ .. في المقاهي واللغة
ويحب الناي والبيرةَ
لم يأخذ من الألفاظ إلا أبسط الألفاظ
سهلا كان كالماء.
بسيطا كعشاء الفقراء .
كان حقلا من بطاطا وذره
لا يحب المدرسة
ويحب النثر والشعر
لعل السهل نثرٌ
ولعل القمح شعرٌ.
ويزور الأهل يوم السبتِ
يرتاح من الحبر الإلهي
ومن أسئلة البوليس .
لم ينشر سوى جزأين من أشعاره الأولى
وأعطانا البقية
شوهدت خطوتُه فَوقَ مطار اللد من عشر سنين واختفى ..

كان ما سوف يكون
فضحتني السنبلة
ثم أهدتني السنونو
لعيون القتلة
.. شاحبا كالشمس في نيويورك :
من أين يمر القلب ؟ هل في غابة الاسمنت ريش الحمام ؟
وبريدي فارغ . والفجر لا يلسعُ .
والنجمة ُ لا تلمع في هذا الزحام .
ومسائي ضيقُ . جسم حبيبي ورقٌ . لا أحد حول
مسائي " يتمنى أن يكون النهرَ والغيمةَ " .. من
أين يمر القلب ؟ من يلتقط الحلم الذي يسقط قرب
الأوبرا والبنك ؟ شلاّ لُ دبابيس سيحتاج الملذات
التي أحملها .
لا أحلم الآن بشيء
أشتهي أن أشتهي
لا أحلم الآن بغير الانسجام
أشتهي
أو
أنتهي
لا . ليس هذا زمني
شاحباً كالشمس في نيويورك
اعطني ذراعي لأعانق
ورياحي لأسير.
ومن المقهى إلى المقهى.اريد اللغة الأخرى
اريد الفرق بين النار والذكرى
اريد الصفة الأولى لاعضائى
وأعطي ذراعي لأعانق
ورياحي لأسير
ومن المقهى إلى المقهى
لماذا يهرب الشعر من القلب إذا ما ابتعدت يافا؟ لماذا
تختفي يافا إذا عانقتها؟
لا. ليس هذا زمني.
وأريد الصفة الأولى لأعضائي
وأعطي ذراعي لأعانق
ورياحي لأسير
.......واختفي في الشارع الخامس, أو بوابة القطب الشمالي.
ولا اذكر من عينيه إلا مدنا تأتي وتمضي.
وتلاشي.......وتلاشي...................
والتقينا بعد عام في مطار القاهرة
قال لي بعد ثلاثين دقيقة:
"ليتني كنت طليقا في سجون الناصرة"
نام أسبوعاً. صحا يومين .لم يذهب مع النيل إلى الأرياف
لم يشرب من القهوة إلا لونها.
لم يَرَ المصريّ في مصرَ
ولم يسأل سوى الكُتّاب عن شكل الصراع الطبقيَ
ثم ناداه السؤال الأبديّ الاغتراب الحجري ّ
قلت : من أي نبيّ كافرٍ قد جاءكَ البعدُ النهائيُّ ؟
بكى من كَسَل في نظراتي . هل تغيرت؟
تغيّرتُ . ولم تذهب حياتي
عبثاً
مال إلى النيل وقال : النيل ينسى ؟
قلت : لا ينسى كما كنا نظن
وتذكرنا معاً إيقاعنا الماضي
وموجاتِ السنونو فوق كف تقرع الحائطَ
والأرض التي نحملها في دمنا كالحشرات
وتذكرنا معا إيقاعنا الماضي وموتَ الأصدقاء
والذين اقتسموا أيامنا , وانتشروا
لم يحبونا كما نشاء
لم يحبونا ولكن عرفونا ..
كان يهذي عندما يصحو . ويصحو عندما يبكي
ويمشي كخيام في البعيد العربيّ
ذهب العمر هباء
وفقدت الجوهريّ
واختفى قرب غروب النيل
أعددت له مرثية أخرى وجنّاز نخيلْ
يا انتحاري المتواصل
قف على ناصية الحلم وقاتلْ
فَلَكَ الأجراس ما زالت تدقُّ
ولك الساعة ما زالت تدقُّ
وتلاشي مرة أخرى
وخانتني الغصون
كان ما سوف يكونُ
فضحتني السنبلة
ثم أهدتني السنونو
لسيوف القتلة
كانت نيويورك في تابوتها الرسمي تدعونا إلى تابوتها .
في الشارع الخامس حيّاني . بكى مال على نافورة
الاسمنتِ . لا صفصاف في نيويورك . أبكاني .
أعاد الظل للبيت . اختبأنا في الصدى . هل مات
منا أحدٌ ؟. كلا تغيّرتَ قليلا ؟ لا . هل الرحلة
ما زالت هي الرحلة والميناءُ في القلب ؟ . نعم .
كان بعيدا ً وبعيدا ً ونهائيّ الغيابْ
دَخّنَ الكأس ..
تلاشى
كغزال ٍ يتلاشى
في مروج تتلاشى في الضبابْ
ورمى سيجارة في كبدي وارتاحَ
لم ينظر إلى الساعة
لم يسرقه هذا الشجرُ الواقفُ تحت الطابق العاشر في
منهاتنَ . التفَّ بذكراه .. تغشّاه رنينُ الجرس السريّ .
مَرَّت بين كفينا عصافيرُ عصافيرُ وموتٌ
عائليّ . ليس هذا زمني . عاد شتاء آخر . ماتت
نساء الخيل في حقل بعيد . قال إنَّ الوقت لا يخرج
مني فتبادلتُ مُدُناً تنهار من أوَّل هذا العمر حتى
آخر الحلم ِ ..
أنبقى هكذا نمضي إلى الخارج في هذا النهار البرتقالي
فلا نلمس إلا الداخل الغامضَ ؟
من أينَ أتيتَ
اخترقتُ عصفورةٌ رمحاً
فقلت اكتشفتْ قلبي
أنبقي هكذا نمضي إلى الداخل في هذا النهار البرتقالي
فلا نلمس إلا شرطة الميناء ؟
يهذي خارج الذكرى : أنا الحامل عبءَ الأرض .,
والمنقذ من هذا الضلال . الفتيات انتعلت روحي
وسارت . والعصافير بنت عشاً على صوتي وشفتني
وطارت في المدى ..
لم يتغيّر أيُّ شيء
والأغاني شردتني شردتني
ليس هذا زمني .
لا . ليس هذا وطني
لا ليس هذا بدني .

كان ما سوف يكونُ.
فضحته السنبلة
ثم أهدته السنونو
لرياح القتلهْ ...

توفيق زياد

منذ أن انتقل الفلاح الأول من قرية أم الفحم ليبني بيته الاول دخلت قرية مصمص خارطة الوطن . ومنذ الثامن من شباط الماضي عندما سارت الألوف من الارض المحتلة والجليل والمثلث وكل مكان لتشييع راشد الى مثواه الأخير اصبحت مصمص نجما هاديا على خارطة بلادنا وقضيتنا السياسية . انني اقول ان الأمر الطبيعي اثناء وجود راشد في منفاه أن يعمل في خدمة منظمة التحرير الفلسطينية . لقد اثار هذا الكلام في حينه كل الابواق الرجعية والصهيونية نحن لا نخجل بل نعترف بأن للشعب العربي الفلسطيني ممثلا معترف به من قبل العالم أجمع وهو منظمة التحرير الفلسطينية . لقد عاش راشد من أجل القضية , ومات في خضم المعركة , وبهذا ايقن ان صموده من صمود شعبه . ان العهر السياسي الذي يسمونه الجدار الطيب لن يزيف الحقيقة ففي العالم اليوم لا يشك اثنان حول ان مصير هذا الكفاح هو النصر المحتوم. وحدة شعبنا وحدة ضرورية بقدر ما نبني هذه الوحدة ونواصل كفاحنا نستطيع أن نقرب البعيد ونحقق الآمال التي من أجلها سنضحي بحياتنا. يدا واحدة والى الأمام في هذا الطريق.
سميح القاسم
انه لظلم صارخ أن يطلب إلي تأبين راشد حسين اعترف أمامكم بعجزي عن تحمل مثل هذا الوزر .. إنني محرج أشد الحرج فصياغة كلمات التأبين الرزينة تستوجب الإقرار التام بحقيقة الموت وتتطلب القدرة على مراقبة المرثي من خارج حدوده حدود جسده وحدود نعشه وضريحه ... واعذروني حين أعلن أنني ما زلت مسكونا بالصدمة مشحونا بعدم التصديق . لا أرمي إلى إثارة مشاعركم وتجنيد عواطفكم .. إنني أسجل حقيقة جافة .
لعله من السهل أن تتحدث عن مناضل استشهد وعن شاعر فارق الحياة أو سلب الحياة في ظرف مأسوي لكنه من أصعب الصعب , أيها الناس , أن يتحدث المرء عن أخ حرمه وصديق فقده.
راشد حسين هو المناضل الشهيد والشاعر الفقيد لكنه عوض ذلك الأخ والصديق الذي لن يكتب شعرا بعد الآن ... الكأس الأخيرة التي تجرعها راشد كانت كأس دمه والقصيدة الأخيرة التي كتبها راشد كانت قصيدة موته .
بعد أيام من عودته إلى الوطن وجدتني منجرفا برغبة جامحة لكتابة قصيدة عن راشد شقيق الفتوة والشباب الذي اختارته مأساة شعبنا وثورة شعبنا شاهد وشهيدا.
غب نزوة الألم الحادة وجدت على الورق هذه الكلمات :
لمغنيين أسماؤهم
للنباتات أسماؤها
للغابات أسماؤها
للدويلات أسماؤها
يا عالم الغدر والغيظ
يا عالما غافلا غائما عائبا
نحن , من نحن
يا عالم الغبن والغش
يا عالما ساغبا لاغبا
نحن نبت العذاب الصمد
لم يلدنا أحد
واسمنا... لا أحد
واسمنا... لا أحد
حين قرأت هذا الكلام شعرت بالخجل ........... فما كل ما يمكن أن يقال يجوز أن يقال.
" من أجل راشد ومن أجلنا نحن , يجب أن نكون أكثر تفاؤلا وأرسخ ثقة بالنفس" .. هكذا قلت لنفسي وطويت الورقة ..
قبل أيام حاولت من جديد فكتبت بضع كلمات عن راشد ::
عجبا أطل على مزارك.............فيشب في لهيب نارك
واسمحوا لي مرة أخرى أن اخرج على العرف في مثل هذا الموقف , فأبوح أمامكم بحالة شخصية تماما اعترتني بعد الكلمة الأخيرة من هذا البيت : لقد شعرت فعلا بلهيب النار التي قتلت راشد , شعرت باللهب في جسدي وفي قلمي وأوراقي , يشل طاقتي ثم يحولني إلى كومة من الرماد , تخفق فيها ورقة صغيرة عليها بيت يتيم من قصيدة أخشى أنها لن تكتمل ..
كما ترون تحدثت حتى الآن عن نفسي , عن نقمتي الخاصة بموت راشد ولم أتحدث عن راشد ..
أما في كلماتي الأخيرة فأسعى ما وسعني الجهد إلى التزام الهدوء والانضباط بقوانين مواقف الرثاء والتأبين حين أقول :
لقد استشهد راشد حسين فداء شعبه ووطنه .. لقد احترق ليضيء الطريق مع رفاقه الشهداء الأبرار , والعين الفلسطينية لا تخطيء النور الفلسطيني فاماما أيها الناس أماما على طريق الكفاح اللاهب الساطع بنور الفداء والتضحية.
وعذرا يا راشد
عذرا يا أخي وحبيبي ورفيقي
سأحاول فيما بعد سأحاول أن أتكلم عنك .

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث