الشاعر هارون هاشم رشيد في ((قصائد فلسطينية)) PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : أ.محمود مفلح

الشاعر هارون هاشم رشيد

خاص بيت فلسطين للشعر
شاعرنا الكبير هارون هاشم رشيد ابن فلسطين البار من الشعراء الذين ذاع صيتهم على امتداد الوطن العربي واقترن اسمه بالقضية الفلسطينية ،لأنه كرَّس حياته وشعره لخدمة هذه القضية والدفاع عنها في كل المحافل، بشعره المتدفق الحار الذي لا يصدر إلاَّ عن قلبٍ آمن بقضيته وأخلص لها، وقد لقي هذا الشعر العذب الواضح رواجاً واسعاً كما أسلفنا على امتداد الوطن،وتربَّت عليه أجيال وأجيال.

وديوانه الذي بين أيدينا بعنوان ((قصائد فلسطينية)) هو مختارات من شعره ينتظمها خيط واحد وعنوان كبير هو فلسطين أرضاً وشعباً ومستقبلاً .
وقد بدأ هذا الديوان بالقصيدة الشهيرة التي تكرس الهوية الفلسطينية وتتعصب لها رداً على محاولات الطمس والتشويه، قائلاً:

فلسطيني أنا اسمي فلسطيني
نقشتُ اسمي على كل الميادين
بخطٍّ بارز يسمو على كل العناوين
فلسطيني وإن داسوا على اسمي وداسوني
فلسطيني وإن خانوا تعاليمي وخانوني

وترتفع نبرة التحدي لدى شاعرنا الكبير في نهاية النص إذ يقول:

أنا ماذا أكون أنا
بلا اسمي فلسطيني
بلا وطنٍ أعيشُ له
وأحميهِ ويحميني

هذه القصيدة التي تؤكد على الهوية الفلسطينية قريبة من قصيدة الشاعر محمود درويش الذي صرخ في وجه المحتل الغاصب

سجل أنا عربي .. ورقم بطاقتي خمسون ألف.
وأبنائي ثمانيةٌ وتاسعهم سيأتي بعد صيف!!

ويغتفر لشاعرنا الكبير هارون هاشم رشيد في هذا النص وسواه من قصائد عدم التفاته إلى جذوة الصور الفنية وانشغاله بغرابتها وبكارتها،لأن طبيعة المرحلة كانت تتطلب هذا النوع من الشعر الواضح المتدفق،الذاهب إلى الهدف هدف التنديد بالاحتلال وتحريض الشعب على مقاومته ورفضه.
ولهذا فإننا نرى العفوية في التعبير هي من أبرز سمات هذا الشعر ومن أبرز مقوماته،وهذا ينطبق تماماً على قصيدة الشاعر (طفل فلسطيني) هذا الطفل الذي حرم من أبسط مقومات الحياة من أمن وأمان ومن كساء وغذاء ومن رعاية وتعليم.
ولهذا كان لا بد للشاعر أن يقول:

يحلم طفلي الصغير
مثلما يحلم الأطفال
يحلم أن يطير مثلما فراشة
تهيم في التلال
ولكن.. ومنذ أن حطّت قوى العدو في السهول والجبال
تفزعه رصاصة تشده قنبلة.. يخيفه زلزال. !!

يريد الشاعر أن يقول إنَّ الاحتلال الصهيوني البغيض شوَّه الطفولة الفلسطينية،وأفسد مزاجها وعطّل فيها كنوز الجمال وبراءة الطفولة،ويظل السؤال ملحاً على شفة هذا الطفل الفلسطيني المكسور

متى يزحزح الكابوس عن صدورنا ؟
متى يزول الاحتلال ؟
متى يظل طفلي ساهماً.. يُكرّر السؤال ؟؟

أما جواب هنا السؤال البريء فهو الذي تصوغه الآن بنادق الشرفاء من أبناء هذه الأمة في الضفة وجنوب لبنان وفي غزة الصامدة التي يخصها الشاعر بقوله:

صباحُ الخير ((يا غزة))
صباح المجد والعزّة
صباح الخير يا وردية الشُعلِ


وفي نبرة واثقة يقول:

هنا يتفجّر الخبرَ
فيا أحبابنا انتشِروا
فها قد لعلعَ الحجرُ

ويبدو أن هذه القصيدة كتبت قبل أن يلعلع الرصاص في سماء غزّة وقبل أن تضع هذه المدينة الباسلة بصمتها في سجل التضحيات.
والشاعر هارون هاشم رشيد ابن غزة الذي عاش فيها شبابه وكهولته وعرف أحياءها حيّاً حيّاً وشوارعها شارعاً شارعاً .
ولهذا لا نستغرب منه حين يستحضر في شعره أسماء هذه الشوارع والأحياء،والمواقع فيقول:

صباح الخير في ((العمدان))
في/ شجعية / الشجعان
في/ التفاح / في / الزيتون / في / الدرج /

صباح الورد للأطفال وجه الخير والفرج
ألا يا شدة انبلجي..

ولعل الأنسب أن يقول ألا يا شدة انفرجي لأن الانبلاج لا يتفق مع الشدّة.. وهذه هفوة شاعر كبير لا نقف عندها طويلاً.
أقول إن هذه القصائد الرشيقة الخفيفة السريعة، الواضحة سهلة الإنشاد والتلحين، وهذه كما أسلفت ميزة من ميزات الشاعر الذي يبدو أنه كان مشغولاً في انتشار قصائده بين الناس وعلى كل لسان وأن يطرب لها البسطاء،أكثر من حرصه على ترضية النخبة المثقفة واستمالتها أو الالتفات إلى ما سوف يقوله النقد المعاصر في مثل هذا الشعر الغنائي الوطني الواضح.
وقد حقق شاعرنا بهذه البساطة ،وهذا الوضوح ،وهذا الصدق ،ما لم يُحققه شاعر آخر.
والشاعر هارون هاشم رشيد بحسِّه الوطني السليم ونظرتهالثاقبة،يدرك عبثية المفاوضات مع العدو الصهيوني وهو الذي خبر ألاعيبه وخداعه.. ولهذا يقول ساخراً:

ما الذي يعنيه تعديلٌ طفيف في الحدودِ؟
كل عام قطعة أخرى وبعض من جنودِ
ما الذي يعني تلاقينا مع الخصم العتيدِ؟
وتهاوينا على أقدام جزارٍ عنيدِ


ويجيب عن أسئلته بلهجة الواثق

هذه أرضي وفيها كل آمالي الغوالي
إنها أمِّي أبي، عمّي وخالي...

ويتابع مستنكراً اللقاءات مع العدو :

لا لسلمٍ لا يردُّ الأرضَ والدارَ السَّليبة
لا لسلمٍ لا نرى دولتنا فيه مهيبة

وكأنَّ الشاعر هنا ينطق بلسان الملايين من أبناء أمتنا ، ممن يَسخَرون من اللاهثين وراء سراب السلام الخادع (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا).
وتأتي قصيدته المطولة ((ثورة الحجارة)) لتؤكد موقفه المبدئي من كل ما يجري على الساحة الفلسطينية وأنه متشبث بنهج المقاومة والجهاد بكل الأساليب، وهي قصيدة تتفجر فيها العاطفة ويجمع الخيال وتلامس الجرح الفلسطيني بكبرياء ويرتفع فيها النص صياغة وأسلوباً إلى مستوى الحجر الفلسطيني الذي أذهل العالم بقوة تأثيره وعمق إيمانه

لم يبق غيرك لي يا أيها الحجر
فقد تخلّت جموع، أجمعت زمرُ
عشرون عاماً وراياتي مخضبة
بالدم شرَّفها أبطالنا الغررُ

وعرج الشاعر على مدينة العزّة غزة

في غزة الآن هذا الزحفُ زلزلةٌ
تهزّ من نكصوا عنا ومن غدروا
فالأرض جفتْ وجفّ الضرعُ وانحسرتْ
شتى المنى وجفانا البِشر والبشرُ!

ورغم كل هذا... فإن الشاعر متمسك بالأمل مبشر بالنصر القريب بإذن الله

وإنَّهُ النصر آتٍ، تلك قولتنا
فالليلُ لا بدَّ هذا الليل ينحسرُ
وإنَّه النصرُ آتٍ لا محال وإنْ
طالَ الطريقُ بنا واستفحل الخطرُ

إنه إيمان الشاعر الراسخ بعدالة القضية وحتمية العودة وقدرة هذا الشعب المجاهد الصامد على انتزاع الحق من براثن غاصبيه خاصة إذا كان الطفل الفلسطيني كما وصفه الشاعر:

طفل كحدِّ السيفِ يبرق
لامعاً في الشمس ساطع
ينساب من ليل المخيم
من تباريح المواجع
يمضي فلا يخشى الرصاص
ولا يخاف من المدافع
ويظل بالحجر المدبّب
يقذف الباغي... يقارع

كما يعرّج شاعرنا على ساحة أخرى للصمود يعرفها تماماً هي /معسكر جباليا/ وفيه يقول:

جباليا جباليا
وينهض المعسكر
فكل بيت جمرة
وكل شبر حجر
وكل طفل ثورة
جئناكم فانتظروا

هذا الأسلوب الخفيف الرشيق السريع يناسب تماماً حركةَ الناس في /معسكر جباليا/ من حيث اليقظة والنشاط ومقارعة العدو وما هذا المعسكر إلا مثال واحد لأماكن كثيرة، ولو أن هذه القصيدة كُتبت بعد الاعتداء الغادر على غزة لاصطبغت بدم شهداء هذا المعسكر الباسل وغيره من أحياء ((القطاع))، ولكانت أقوى صياغةً وأعمق تأثيراً لأن درجة الانفعال عندئذٍ ستكون أشدّ وأعنف...
ولا ينسى كذلك شاعرنا المبدع أن يرسم بريشته الحاذقة منظر الطفل /محمد الدرة/ مستخدماً بعض العبارات التي نطق بها هذا الطفل الشهيد قبل أن يتوقف لسانه عن النطق

أبي وتلتف في لهفة يد الوالد المستفزّ
ويحنو على الطفل ضماً وشدّاً

فيجيب الوالد المفجوع ولده :

تعال هنا ادخل الصدر لو أستطيع
جعلت لك الصدر درعاً وسدّا
ولكنّ محمد هذا يرعش في لحظة ثم يردى !!

وما كان من الوالد وقد أدرك الحقيقة إلا أن يصرخ يائساً /مات الولد/ :

وتعلو دويِّ الرصاصِ الملعلعِ صرخة والده
مات الولد ... برقاً ورعدا

هي صرخة سمعها العالم الأصم كله ولم يحرك ساكناً، ولم ينبس بكلمة واحدة إزاء هذا العدو المتغطرس !!
وهي قصيدة طويلة مؤثرة ذات عمق إنساني تهز الوجدان..
ولا تقل عنها تأثيراً قصيدته في استشهاد الطفلة / إيمان حجو/ التي يدعوها يا ملاكي :

يا ملاكي... اصعدي شيئاً فشيئاً للسماءِ
اصعدي في كبرياءِ
واكتبي اسمك بين الشهداء !

ويسترسل الشاعر في تصوير هذا المشهد المؤثر

يا ملاكي هتف الأطفال في الساحات... ضجّوا بالبكاءِ
صرخوا يا أنتِ ردّي واسمعينا يا سماءِ
إنهم في وطن الحب فلسطين... وفي أرض الوفاءِ
يقتلون الضوء والأطفال... يغتالون أشجار الهناءِ !

ولا شك بأن شاعرنا كتب هذا النص وأمثاله بعاطفة الأبوّة الحانية، ولهذا رق أسلوبه وشفّت عبارته،حتى لتكاد تبين الدمعة في عينيه واستطاع أن ينقل هذا الانفعال إلى القارئ الذي لا يملك إلا أن ينفعل بهذا الشجن الإنساني العميق وهذه الكلمات المؤثرة

يا ملاكي هتف الأطفال في الساحات... ضجّوا بالبكاء...

أما قصيدته المطولة ((فدائيون لا إرهابيون)) التي قدم لها بقوله ((طلاب حق وأصحاب وطن وفرسان الحرية هؤلاء ...ولو كره الكارهون)).
وفيها ردّ قاطع على مصطلح الإرهاب هذا ((الطعم)) الذي ابتلعته أكثر الأنظمة العربية طوعاً أو كرهاً، وانطلى على كثير من السذّج فجعل المناضل إرهابياً وجعل المجرم المحتل حمامة ..
سلام يدافع عن أمن ((حدوده)) هذه المقولة لا تنطلي على الشرفاء من هذه الأمة ومنهم شاعرنا الكبير هارون هاشم رشيد الذي صرخ في وجوه الأعداء قائلاً:

في أي شرع يوسم الأحباب
ويقال إنَّ جهادهم إرهابُ
الأرض تعرفنا فما من رملة
إلا وفيها نبضة وعذابُ
واللوز والزيتون يعرف جهدنا
والكرم والليمون والعنابُ

ثم يؤكد في نهاية قصيدته على أهمية الجهاد والمقاومة غير عابئ بالمصطلحات المضَلّلة كالإرهاب وغيره :

إن كان إرهاباً بأن يهوى الفتى
أوطانه فشعارنا الإرهاب
أو كان إرهاباً بأن يعلو الفدى
راياتنا فلواؤنا إرهاب

هذا التكرار في الصياغة والإصرار على المعنى مع بعض التلوين في العبارة والصور له غاية واحدة هي التأكيد على أحقية الفلسطيني في اتباع ما يراه مناسباً من الأساليب للوصول إلى حقه والعودة إلى وطنه السليب.
وشاعرنا الكبير من أكثر الشعراء العرب تبشيراً بالعودة وتهليلاً لها رغم قسوة الواقع ومعوقات الطريق! ويصبّ في هذا المعنى عتب الشاعر على أمته العربية الإسلامية التي قعدت عن نصرته وانشغلت عن قضيته فيقول في عتاب رقيق:

أعروبتي يا من سكنت جوانحي
زمناً وكنت بما حفظت أجولُ
ماذا تبقَّى منكِ غير ُظلامة
يلهو بها المأفون والمخبولُ

ثم ترتفع نبرة هذا العتاب إلى شيءٍ من التنديد والتقريع :

أصبحتِ في زمنِ التردي مضغةً
للتافهينَ وسامك المرذول
طعنوكَ مرّاتٍ وما من مرةٍ
هبّ الحماةَ وجُرِّد المسلولُ

إلا أن الشاعر على عادته دائماً لابد وإن ينتهي إلى التفاؤل والثقة بقدرة أمته على النهوض من كبوتها واستعادة حقوقها المغتصبة.

شعبي أطل عليك من ليل الأسى
والقاتلون شراذم وفلولُ
في الصدر أو في الظهر ليس يخفينا
وقع الخناجر فالصمود أصيلُ

إلى أن يقول:

هيهات يوماً أن يهون ترابنا
فمقدس ذاك التراب أصيل!!

هذا الأسلوب الشعري المتدفق وهذا التوقد في العاطفة وهذه السلاسة في التعبير كل هذا لا يصدر إلا عن شاعر كبير امتزج قلبه بحب وطنه،وعرف عن قرب جمال هذا الوطن وسحره، ولهذا لا أبالغ إن قلت إنَّ هارون هاشم رشيد هو ابن فلسطين البار الذي حمل قضيته على ظهره صخرة ثقيلة أكثر من سبعين عاماً، وما زال- أمد الله في عمره- رغم شيخوخته ومرضه وضعفه يحملها بإباء وشموخ وما زال لسانه بكل المحافل يلهج بذكر فلسطين.
هذا الشاعر الكبير هو البقية الباقية من تلك الكوكبة الشعرية الفلسطينية التي أضاءت سماءنا ذات يوم من أمثال أبي سلمى وإبراهيم طوقان وفدوى طوقان وعبد الرحيم محمود وحسن البحيري وسواهم، ممن طوتهم الأيام وما زال شعرهم عابقاً في فضائنا الأدبي وما زال آخرهم هارون هاشم رشيد /يرغول فلسطين/ يواصل العزف على الجرح، حتى تتحرر أرضه وسماؤه من رجس المحتل وأعوانه

 

البحث