أزمة الشعر الصهيوني المعاصر.... انعكاس لأزمة وجود الكيان PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : د: حسن الباش

د.حسن الباش

عندما ننظر إلى واقع النتاج الشعري الصهيوني المعاصر نفاجأ بأن انتكاسات أدبية كبرى قد حلت في هذا النتاج . ويبدو أن الحروب التي شنها الصهاينة كانت الحافز لغزارة الإنتاج كونه يتماشى – عنصريا- مع الحركة السياسية والعسكرية ؛ فبعد عدوان 1982 واجتياح لبنا وجدنا عشرات من الشعراء يكتبون في الصحف والمجلات العبرية قصائد او انتاجات شعرية تصب كلها في اتجاه واحد وهو اتجاه العداء الدموي العنصري ضد الفلسطيني والعربي بشكل عام .

وكذلك الأمر في العدوان على غزة حيث عبّأت القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية جموع المستوطنين تعبأة حربية صارخة مما دفع الأدباء يتماشون مع الظرف ويستجيبون له.
وعلى الرغم من أن النتاج الأدبي الصهيوني فجٌ وليس له أي قيمة فنية – حسب رأي كافة النقاد إلا أن طبيعة الكيان القائمة على مبادئ الاحتلال والعنصرية تجاوبت تماما مع كافة القطاعات الفنية والأدبية . فجاء مشهد الكيان مشهدا شاذا في كل إطاراته السياسية والثقافية.
قد يكون من المنطق أن يكون الشعر الصهيوني المعاصر في أزمة . ولكن طرحنا للموضوع على هذا الشكل المسبق يمكن أن يراه بعضنا من قبيل انعكاس الصراع العربي الصهيوني علينا ( نحن العرب والفلسطينيين )
ويبقى أن نعيد السؤال هل يعيش الشعر الصهيوني المعاصر في أزمة حقا ؟
من المعروف أن الكيان الصهيوني لا يشكل مجتمعا كبقية المجتمعات . فبعد احتلال فلسطين ب64 عاما يرى الكثيرون من المفكرين اليهود أمثال إسرائيل شاحاك وإسحق دويتشر ونعوم تشومسكي وغيرهم أن التجمع الصهيوني يشكل تجمعا يحوي عددا كبيرا من العناصر المتباينة سياسيا وفكريا ولغة. وحينما يحاول الكيان خلق اللغة العبرية من جديد فإنه يواجه أكبر مشكلة اجتماعية يواجهها أي مجتمع أو تجمّع.
والمنطق يرى أن خلق التمازج اللغوي بين جميع مكونات الكيان الصهيوني هو محاولة يائسة لخلق ظروف جديدة تصنع مجتمعا متجذرا له هوية .
ومن هذه الناحية تحديا فإن الكثيرين يرون استحالة بعث اللغة العبرية وجعلها لغة مقبولة لدى المجتمعات الأخرى . وهناك من المؤشرات الموضوعية التاريخية والحالية تقول غنه من المستحيل أن تُقبل اللغة العبرية لدى الآخرين وعليه فإن الشعر الصهيوني الذي يُكتب بالعبربة سيظل سجين الكيان ولن يخرج إلى عالم آخر.
إن اللغة العبرية لغة دينية أكثر منها لغة أدبية أو علمية . ولم تصلح عبر التاريخ إلا اللاهوت وعلومه . ووجود هذه اللغة كما تؤكده المصادر الموثوقة بُعث قبل ميلاد المسيح بقليل وكان عبارة عن وجود مشوه غير أصيل يأخذ من هنا وهناك وجميع مفرداته إما كنعانية أو مصرية أو بابلية أو سريانية أو آرامية.
ومن المؤكد أن الذي صنع هذه اللغة بشكل مكتوب هم أحبار اليهود وليس الأدباء خاصة بعد حملات النفي والملاحقة التي تعرض لها اليهود بسبب فسادهم وإفسادهم .
واقتصرت هذه اللغة على رجال الدين والمختصين باللاهوت . ويعني ذلك أن لغة اليهود العاديين كانت تتبع المنطقة التي يعيشون فيها ويتكلمون لغة سكانها ونستطيع أن نقول إن اليهود تكلموا عددا كبيرا من اللغات وهذا ما يجعلهم أسيري ثقافة متنوعة على مدى العصور وهذا ما ينطبق على الأدب ولشعر بشكل خاص .
ولو تفحصنا معظم النتاج الأدبي الشعري والروائي والقصصي لوجدنا أن جلّه كتب إما باللغة الإنكليزية أو بلغة اليديش التي هي مزيج بين اللغة العبرية واللهجات الأوربية الشرقية وهذا يدل على أن اللغة العبرية لم تكن محببة لدى الكتاب والشعراء اليهود في القرون الماضية . لذلك لم تتمكن منهم ولم يتمكنوا منها .
ويبدو أن الشعور الضمني والكامن بأن المجتمعات الأخرى تنظر إلى العبرية على أنها لغة ميتة ولن تكون عالمية في يوم من الأيام ويبدو أن زعماء الصهاينة الذين يستخدمون الإنجليزية خارج الكيان يشعرون بالخطر على المشروع الصهيوني عندما يرون النتاج الأدبي اليهودي الجيد يُكتب بغير العبرية . بينما الأدب السيئ والذي يفوح بالعنصرية والتساقط الفني يُكتب بالعبرية .
نرى اسحق دويتشر وهو من أعلام الفكر اليهودي يقول: ( سألني بن غوريون وهو واثق من نفسه ( متى أخيرا ستكتب كتبك باللغة العبرية وليس بالإنجليزية. فهو مقتنع قناعة مطلقة بأن كل كاتب يهودي المولد عليه التزامات معنوية نحو (أدب إسرائيل العبري) وهذا الخوف من عدم استيعاب الكتاب والشعراء اليهود لمعنى كتاباتهم باللغة العبرية يجعل الفكر الصهيوني وأدبيه في مأزق . وليس هذا المأزق من قبيل التصنع أو الخلق الآني فطبيعة الكيان الصهيوني شاذة فكرا وأدبا وهذا بالتالي سيؤول إلى فشل ذريع في نهاية المطاف .
ولو حاولنا الكشف عن قيمة اللغة العبرية كلغة يسعى الصهاينة لجعلها عالمية لوجدنا أن اليهود المتدينين ليس لهم أدب أو شعر قط . لأن اليهودي المتمسك فعلا بدينه يرى أن كتابة نصوص علمانية باللغة العربية ما هو إلا نوع من التجديف ومهما بلغ من إصرار الأديب أو الشاعر الحديث عن إعلانه وإعلان انفصاله عن التقاليد الدينية واستقلاله فلا بد له من ذلك من أن ينبش في الماضي ليبعث لغة شبيهة باللاتينية في أنها ميتة منذ ألفي سنة . لغة لم تبق حية إلا في اللاهوت . ومن الصعب أن تتوافق اليوم مع المعاصرة والعلمانية.
ومن الجانب الآخر لصورة الأزمة نرى أن بعض من يكتبون الشعر أو الرواية أو القصة القصيرة في الكيان يحاولون كتابتها باللغة العبرية . غير أننا لو نظرنا في مضمون الإبداعات الشعرية وغيرها لوجدنا أنها تتجه اتجاهات سلبية قاتلة .. وبغض النظر عن الأسلوب التحريضي العنصري ضد الشعوب فإن انعكاس الأوضاع السياسية والاجتماعية أدى إلى بروز تيار الوجه الاغترابي المتميز بالقلق والخوف من الحرب والضياع النفسي والفكري . وهذا التيار يتصاعد يوما بعد يوم خاصة عندما يعيش أفراد التجمع الصهيوني أزمة الصراع مع الفلسطينيين والتهديدات بالحرب إن كانت ضد إيران أو التهديد المقلوب بسبب ما يحدث اليوم في الوطن العربي من تغييرات حينما ننظر إلى الوقائع التي تتراكم يوما بعد يوم ندرك أن ردود الفعل لدى التجمع الصهيوني لن تكون باتجاه واحد . فعلى سبيل المثال يقوم الطيران الصهيوني باغتيال بعض المجاهدين في أطراف غزة فالمتوقع أن يرد المجاهدون على ذلك . ولربما تنطلق بعض الصواريخ باتجاه بعض المستوطنات وهذا على بساطته سيؤدي إلى اضطراب وقلق ينعكس على مجمل قطاعات التجمع الصهيوني مما ينتج ثقافة القلق والخوف من المجهول .
وبشيء من التفصيل نقول : إن الاتجاه القلق في الإبداعات الصهيونية ومنها الشعر سيزداد إذا ما تصاعدت المقاومة المسلحة الفلسطينية . وإذا ما كانت المتغيرات العربية تصب لصالح قضية فلسطين .
وهذا أمر طبيعي بالنسبة لطبيعة مكونات الكيان الصهيوني ومعززاته على كل الأصعدة الاجتماعية والأدبية وحتى الاقتصادية . إن الإبداع الأدبي مرهون بالتطورات السياسية وغيرها وليس العكس. أما بالنسبة للأدب الصهيوني فقد رأينا عبر عدة عقود أنه يأتي استجابة واضحة لواقع سياسي معين وواقع عسكري محدد . لذلك إذا ما انكفأ التمدد الصهيوني سينكفئ التمدد الإبداعي الشعري وغيره.
إن الأزمة التي يعيشها الأدب الصهيوني هي أزمة الكيان نفسه . ولعلنا بالعودة إلى عدة عقود نرى أن العديد من الأدباء الصهاينة عبروا عن هذه الأزمة . وما زالت أجيال جديدة تعبر عنها . وهناك في هذا الاتجاه عدد كبير من الشعراء الذين عبروا عنها ونعتقد أن الواقع الحالي والمستقبلي سيفرز من يعزز هذا الاتجاه مثلما عززه شاعر أمثال يعقوب باسار في قصائده عن الحروب عن الحروب المقبلة . والشاعر اسحق شاليف والشاعرة شوشانة بيلوس والشاعر بنحاس بلدمان . ويهوذا أميخاي . وغيرهم ممن رسخوا اتجاه القلق المستمر في الكيان الصهيوني.
إذا هو التأزم في الكيان . وهي الأزمة في الأدب . إنها أزمة الوجود الصهيوني برمته وكل معززاته من إبداعات شعرية وأدبية أو اجتماعية .


 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث