الجواهري .. آخر الشعراء الكلاسيكيين . . . عاش بغداد في القلب . . . ورحل بعيدا عنها PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : مضر صعب‏

الجواهري

دير الزور / الفرات الاثنين26/3/2012
حين نقول الشعر , نقول الفن . نقول الإنسان الذي تدوي في موكبه الرياح , وتتقدمه خيول الزمن , فالآتي هي الكلمة التي تصل الأرض بالسماء وتترجم عنها لها .
وحين نقول الجواهري , نقول كل هذا : المعجزة , و الصحراء و الكلمة و المبدع و السر الذي لا نبلغ أن نأتي بمثله .‏

مهيباً تراه ُ كعملاق كالإسطورة وغريباً كالخارق من الأشياء , على وجهه يتشهى ألق موهبة ٍ ومن كل ذرة في كيانه صوت صارخ : إني أنا الشاعر أنا البيداء التي منها الخيل و الليل و المتنبي أنا الفارس الذي خيوله مجرات وقوافيه أفلاك تدور بها نجوم وتدوي رعود وتتساقط نيازك وتتفتح زهور وتشرق شموس وفيها البرق و الريح و المطر ولن تسأل حين تسمعه ُ من المنشد , ألف عام يمر , ومن قلب الصحراء على تخوم الأفق , و المزاهر في قاع جُن , يتقدم الذي يحمل في راحتيه النار الملتهبة ومن حوله يضج الفضاء إيذانا ً ببعث المتنبي الجديد .‏
وكما ذاك كان سجلا ً لدهره , وتاريخا يستنطق التاريخ ويوقظه على الشفاه ويسيره حياً بين الناس , كان الجواهري سجلاً لكفاحنا , وتاريخاً لدنيانا , وترجماناً عن ذات القرن الى القرون التي تليه .‏
هكذا وصفته الدكتورة نجاح العطار عام 1979م الشاعر محمد مهدي الجواهري وهي بذاك الوصف أعطته وكما قالت أقل مما يستحق بأن الإنسان والفن وكل مجد ٍ دونهما صغير .‏
خصوصيته ُ:‏
وهنا المفترق كما تقول الدكتورة العطار إنه ُ ببيان بدوي النسج , مجلجل اللفظ , غني المفردات يهدر كأنه ُ السيل وبرق كأنه الساقية , ويشف عن رؤى ذات أمداء وتهاويل , وذات صخب وسكينة عبرة كوى ومطلات على ماض ٍ عريض ومستقبل أعرض , استطاع أن يصوغ أشواقنا صوراً , وتطلعاتنا دنى وأن يعبر عن أدق وأضخم ما في المشاعر , دون أن يتخلف عن زمانه بصراً وبصيرة ودون أن يتنكب درب الجموع التي تقرع أبواب وحدتها وحريتها .‏
وتفرده في قاع الظلم , جرأته على مدى العمر , في الطليعة كان موقعه ُ . (من معركة الجسر ) إلى ( يوم الشهيد ) والمسيرة عاصفة . و الغربة حضور , و التحية قبل و الشعر سلاح , وبغداد في القلب , وفيه دجلة و الفرات , وفيه ذلك الضرم الذي من جمرة الشهداء كان قبسه وتنطفئ النار , وهو يشتعل من أين أيها الشاعر جذوتك التي في السبعين هي ذاتها في العشرين وتفجرك الذي لا حد له فكأنه في الغضب الآتي اكتساحاً و الاعصار اجتياحاً وكأنه في النجوى بوح سريرة الى سريرة , وخرير موج في مهامسة ٍ مع رمل الشاطئ إن عمق العيش يولد عمق الاحساس به . أنت عشت الحياة بكل جوارحك وتتمناها بكل جوارحك كرة ً أخرى , وهذا هو السبب في طفولتك التي لا تكبر وعلى أنك تنفست الشعر مع الرضاع , فقد أبيت أن تحمل على الطاعة وفي طبعك تمرد .‏
الجواهري و البدايات :‏
ولد الجواهري عام 1899 م على الأرجح في النجف , تحدر من أسرة عريقة في العلم و الأدب و الشعر اكتسبت شهرتها من باني مجدها العلمي الشيخ محمد حسن صاحب كتاب ( جواهر الكلام ) .‏
درس على يد عدد من الشيوخ وأخذ عنهم النحو و الصرف و البلاغة و الفقه , لم يلتزم الجواهري بالتدرج العلمي الذي جرى عليه طلبة العلم في النجف ونظم الشعر في سن مبكرة تأثرا ببيئته لم يبق من شعره الأول شيئا يذكر و أول قصيدة له كانت قد نشرت في شهر كانون الثاني عام 1921 تبوأ مكاناً بين شيوخ القريض في بلدته , نشر أول مجموعة له باسم (حلبة الأدب) عارض فيها عدداً من الشعراء المعاصرين و القدامى , ترك النجف عام 1927 ليعين مدرساً في المدارس الثانوية , لكنه فوجئ بتعيينه معلما على الملاك الابتدائي في الكاظمية .‏
الجواهري يفصل من التعليم :‏

في العام نفسه أي 1927 م أصدر مدير المعارف العام آنذاك ساطع الحصري أمراً بانهاء خدمته بسبب نشره قصيدة ( بريد الغربة ) التي استوحاها من طبيعة البلاد التي كان يعيش فيها أثناء سفرته الثانية , وقد اتخذ الحصري بيتاً ورد فيه ذريعة للإيقاع به حيث يذكر في البيت :‏ لي في العراق عصابة لولاهم ما كان محبوباً إلي عراق‏
أحدث هذا الامر ضجة فتدخل وزير المعارف آنذاك ( السيد عبد المهدي ) وألغى قرار الفصل ولكن الجواهري استقال من وظيفته بعد أقل من شهر ولما اتسعت الضجة رأى البلاط الملكي أن يضع لها حداً فعينه بدائرة التشريفات.‏
الجواهري صحفياً‏
أقدم الجواهري بعد استقالته عام 1930 من ديوان التشريفات الملكية إلى اصدار جريدته الأولى ( الفرات) , ولكن بعد صدور 20 عدداً منها فقط تم إلغاء امتياز الصحيفة وبعد إغلاق الجريدة عاد الجواهري الى التعليم مرة أخرى ليستقيل منه بعد فترة وجيزة ويعود الى عالم الصحافة من جديد ومنذ ذلك الحين كان يصدر صحيفة تلو الأخرى , لا تلبث أن تغلق لنقده وتحديه للسلطات والأوضاع الاجتماعية , فبعد جريدة الفرات أصدر عدة صحف وليتوالى إغلاق هذه الصحف تباعاً
أصدر عام 1935 ديوانه الثاني ( ديوان الجواهري ) ومثل العراق عام 1944 في مهرجان أبي العلاء المعري بسورية .‏
دخل عام 1947 المجلس النيابي ليستقيل بعد عدة أشهر مع عدد من النواب المعارضين أثناء نكبة عام 1948 ضد معاهدة ( بورتسموث ) الاستعمارية الجائرة مع بريطانيا التي استشهد فيها شقيقه الأصغر ( جعفر ) .‏
لبى الجواهري عام 1948 دعوة المؤتمر التأسيسي لـ (( حركة السلام العالمي )) في ( بروك لاو ) ببولونيا , حيث كان الجواهري العربي الوحيد الممثل في المؤتمر وانتخب عضواًفي المجلس التأسيسي للحركة الذي ضم شخصيات عالمية مثل ( بيكاسو - بابلو نيرودا - جوليو كوري ) .‏
الجواهري يطرد من لبنان‏
دعي الجواهري عام 1951 الى الحفل التأبيني لعبد الحميد كرامي في بيروت . لكن بعد إلقاء قصيدته المجلجلة: ( باق وأعمار الطغاة قصار ) طلبت منه السلطات اللبنانية مغادرة لبنان خلال 24 ساعة ليضل ممنوعا من دخوله طيلة عمره تقريباً , كان منبر حفل تابين عدنان المالكي في دمشق عام 1956 منطلقاً لتمرد جديد على أوضاع العراق : ( خلفت غاشية الخنوع ورائي ..... ) , في 14 تموز 1958 عاد الى معترك الصحافة والسياسة واختير النقيب الأول لاتحاد الأدباء العراقيين ونقيباً لأول نقابة للصحفيين انتهز دعوته لتكريم الأخطل الصغير عام 1961 ليغادر العراق وليحل ضيفاً على اتحاد الأدباء التشيكوسلوفاكيين بعد أن تأزمت علاقته بسلطات العهد الجديد , من ثم عاد الى العراق عام 1968 بعد تغرب دام 7 سنوات منح عام 1975 جائزة الكتاب والأدباء الآسيويين الافريقيين ( اللوتس ) .‏
الجواهري مهاجراً:‏
غادر الجواهري العراق عام 1979 م لتغرب جديد دام بقية العمر منه استنكاراً ورفضاً لمطالع محنة العراق الجديدة ومعاناة شعبه و الطبقة المثقفة و المقربة منه بوجه خاص ولم تفلح مختلف الدعوات بمختلف الصور و الوساطات لعودته
قدم عام 1983م للإقامة في سورية وبقي معززا فيها حتى اللحظات الأخيرة في حياته في تموز عام 1995 م تم تقليده وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة .‏
في 27/7/1997 م فجراً رحل الجواهري وكان وداعه الى مثواه الأخير في جوار السيدة زينب الى جانب زوجته ( أمونة ) مهيباً على الصعيدين الرسمي و الشعبي وتحت أبيات ( دجلة الخير المحفورة على شاهدة القبر ):‏
حييت سفحك على بعد , فحيني‏
ياد جلة الخير , يا أم البساتين‏
يقرأ الزائر : هنا وبعيداً عن (دجلة الخير ) يرقد الشاعر محمد مهدي الجواهري .‏


 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث