النازية في الشعر الصهيوني بين الانعكاس والتماهي PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : الدكتور حسن الباش

د. حسن الباش

كم هي مفارقة مدهشة حين يحلل الصهيوني شخصيته ويصل إلى نتيجة مفادها أنه وجه آخر للنازية. وهذا من أكبر الصدمات التي يتلقاها الشاعر الصهيوني الذي تطرق في شعره حتى وصل إلى مصاف الأدباء الذين دفعتهم النازية كي يكونوا عنصريين آريين يصنفون الشعوب حسب مراتب عرقية في غاية التطرف والعنصرية.

لعله من الاتفاق ان الحركة الصهيونية بما فيها من افكار رجعية استعمارية تخريبية يتصل فكرها بأدبها وتنظيراتها بسلوك افرادها وتجمعاتها . ولو بحثنا في النفسية الصهيونية لوجدنا أن كل فرد صهيوني يمثل دور الآلة المسيرة بفعل الفكر الصهيوني ولعل تركيبه النفسي والفكري يُبنى على أساس محدد ينطلق من:
1- عدم الثقة بالآخرين
2- إن لم تقتل قتلوك
3- الحقد ضد العربي والفلسطيني تحديدا
4- تشويه التاريخ
5- استخدام أي وسيلة غير شرعية للوصول إلى الغاية الذاتية
6- جني الأرباح بأي شكل من الأشكال
هذه التركيبة النفسية لم تكن في يوم تتخلى عن الأهداف الاستعمارية والآنية والاستراتيجية ومما دام المركب هكذا فإن الناتج بطبيعة الحال سيكون على شكل التركيب لا ينحاز عنه.
ولا يصح أن يكون الناتج على العكس إلا إذا دخل الأمر باب الخوارق الغيبية.
ومن هذا المنطلق يمكن ان نسلط الضوء على بؤرة من البؤر المتفاعلة مع الفكر الصهيوني العنصري المتماهي في الفكر النازي . وهذه البؤرة هي بؤرة الشعر الموجه.
بالطبع فإن قضية الاضطهاد (وخاصة النازي منه) والتي لعبت دورا هاما في خلق الكيان الصهيوني أدت خدمة قوية في بناء الثقافة الأدبية الشعرية العصرية في التجمع الصهيوني.
إن اليهود المتعصبين ليس لهم أدب قط لأن اليهودي المتمسك فعلا بدينه يرى أن كتابة نصوص علمانية باللغة العبرية ما هو إلا نوع من التجديف. ومهما بلغ من إصرار الشاعر الشاب الحديث عن إعلان انفصاله عن الثقافة الدينية واستقلاله فلا بد له مع ذلك من نبش الماضي ليبعث لغة كانت ميتة. ولكن مع ذلك فإن الصهيوني يحلل لنفسه الكثير من المحرمات. ويخادع نفسه باستخدام أساليب ماكرة في غاية الدهاء. ويكفي أن نتذكر قصة أصحاب السبت لتكون دليلا لنا على ما نقول .
وهناك من النصوص الشعرية ما يكفي للدلالة على الحس العنصري الصهيوني الذي يتماهى مع الفكر النازي العنصري.
فضمن المناهج التعليمية العبرية يحشو المشرفون على التربية والتعليم كتبا شتى بأشكال كثيرة من صور العنصرية والحقد وحقن اليهود ضد العرب.
ففي كتاب النصوص الأدبية للصف السابع تأتي قطعة شعرية للشاعر ش.شالوم تقول :

حوّل قلوبنا إلى حجارة
لكيلا تلين أو ترتعش
عندما ترتفع راياتنا فوق دمائهم
التي أرقناها

ولعل طبيعة الفكر الصهيوني الذي استفاد كثيرا من النظرية النازية ادت غلى نزوع معتنقي مبادئها من الشعراء إلى تجسيد العداء من خلال نتاجهم الأدبي .
يرى كل صهيوني أن أفراد التجمع الصهيوني أن يعملوا على تجريد الطفال اليهود من كل الإحساس وبث الغلظة فيهم والقسوة . ومن ذلك نرى أسلوب التحريض العنصري باديا بشكل واضح في نصوص شعرية كثيرة .
هناك شاعر يدعى اسحق بولاق يقول في إحدى قصائده :

سداد الحسابات في ظني
فيما بين النهرين يدا
هناك ألقى رب إبراهيم
المهزوم/ إلى نيران الأوثان
ومنذ دمرت أوثان سادوم وعمورة
فلتكن كلماتي فيالق أشواق
لتسقط أركانه / عالم منحط بزئير جبار

وبرأي النقاد اليهود فإن العالم المنحط هو عالم العربي ، حيث يعتقد بعض الصهاينة أن جرم النازية يجب ان ينعكس على العرب . فبدل أن يحاسب النازيون يجب أن يحاسب العرب . وتلك مفارقة من أغرب ما يسمع به الإنسان . ونحن نعتقد أن حقد الصهاينة على العرب ليس بسبب الاضطهاد النازي إنما ينبع أساسا من حس قديم عنصري زادت في تغذيته النازية .
إن الدوافع النفسية لدى اليهود وُجدت قبل بروز النازية بكثير . ويلاحظ معظم المفكرين الصهاينة حتى قبل هرتزل تطرفهم نحو عداء العرب .
ومع ذلك لا بد أن نسأل ما الذي فعلته النازية حتى ينقلب حال اليهود على العرب؟ وكيف نستطيع أن نميز النصوص الشعرية الصهيونية التي تأثرت بالأفكار النازية العنصرية الواقع انه هناك ارتباطا في المصلحة الجوهرية الرأسمالية بين اليهود والبرجوازية النازية. صحيح أن النازية قامت بحملات انتقامية ضد بعض اليهود . ولكن لم تكن الأسباب الجوهرية عرقية صرفة . غنما كان العامل الاقتصادي من أهم العوامل المؤدية إلى هذه النتيجة . فاليهود منذ زمن بعيد وحتى الحرب العالمية الثانية توسعوا في الأعمال التجارية والاقتصادية وأصبح رأسمالهم يفوق رأسمال أية دولة اوربية . وبالطبع لم تكن ألمانيا النازية بمنأى عن النظرة الرأسمالية. فالتقاء المصالح يبدأ من نقطة محددة. لهذا وجدت المانيا منافسا قويا لها فضاقت ذرعا بهم ولكن من طرف غير مباشر نجد أنه ما دامت المصلحة الرأسمالية هي الأساس فإن الصهيونية قامت ومازالت تقوم بدور امبريالي كبير . لاسيما حين تقوم باحتلال فلسطين وطرد سكانها من العرب . وما أخذته عن النازية يبقى بالدرجة الأولى سبيلا يصب في تيار رأسمالي استعماري وكنتيجة حتمية لطبيعة التركيبة الاستعمارية قام الصهاينة بالمذابح المعروفة في دير ياسين وقبية والسموع وكفر قاسم ومذابح الحرم القدسي الشريف ومذابح صبرا وشاتيلا وغزة وغيرها. إن هذه النتيجة لم تكن محض صدفة بل كانت امتدادا للمارسات النازية . ومن الواضح أن الصهيونية استفادت كثيرا من تلك الأساليب الوحشية وطبقتها في فلسطين .
لقد غذت النازية النزعة العنصرية عند اليهود الصهاينة والاتجاهات المتطرفة ضد الشعوب ومن هنا نجد انه من الخطأ فصل مراحل التاريخ عن بعضها لا سيما التاريخ اليهودي في المنطقة العربية . إن الصهيونية صورة أخرى عن النازية ولكنها صورة واضحة المعالم تكتمل أبعادها لتشكل دائرة من الحقد والعنصرية والاستعمار والقتل والإرهاب والاضطهاد.
لقد وضحت هذه المعالم بشكل فج في النتاج الشعري الذي ظهر بعد حرب 1982 . لدى العديد من الشعراء وخاصة الجيل الجديد الذي كان وقودا للحرب ضد العرب.
وبدا واضحا أن الأدب الصهيوني وخاصة الشعر قد ساهم في استغلال ظاهرة الاضطهاد النازي . وتفاعل مع الفكر الصهيوني وشكّلا معا رصيدا متزاوجا في طرح فكرة واحدة تقوم على العداء المستمر للشعوب لاسيما الشعب العربي الفلسطيني وعلى نظرة عرقية عنصرية تفوق نظرة النازية بمراحل عديدة .

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث