شعراء التقيتهم :الشاعر عبد الغني التميمي PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : وسام الباش

الشاعر عبد الغني التميمي

أخي في الله
أخبرني متى تغضبْ ؟
إذا انتهكت محارمنا
إذا نُسفت معالمنا ولم تغضبْ
إذا قُتلت شهامتنا إذا ديست كرامتنا
إذا قامت قيامتنا ولم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ ؟
إذا نُهبت مواردنا إذا نكبت معاهدنا
إذا هُدمت مساجدنا وظل المسجد الأقصى
وظلت قدسنا تُغصبْ
ولم تغضبْ

كلمات بقيت أرددها لردح من الزمن ... حفظتها عن ظهر قلب ... ومن كثرة النوائب التي تمر على أمتنا العربية والإسلامية وبالأخص على القضية الفلسطينية أضحت هذه الكلمات لا تفارقني.
وكنت دائم السؤال في نفسي عن صاحب هذه الكلمات، وعن الظروف التي دفعته إلى كتابتها. وفيما إذا بقي للشعر ما يحرّكه في نفوس الناس ويثير غضبهم على مقدساتهم وأعراضهم إلى أن جاء يوم أشار علي فيه الأستاذ سمير عطية مدير بيت فلسطين للشعر بضرورة إجراء حوار مع الشيخ الفاضل الشاعر الدكتور عبد الغني التميمي رئيس هيئة علماء فلسطين في الخارج. وإجراء الحوار بشكل مستعجل لأن أيام زيارته لدمشق معدودة .
وبالفعل وفي اليوم نفسه بدأت بجمع المادة الخام حول الدكتور التميمي وحول شعره لأستخلص منها أسئلة الحوار والمحاور الأساسية التي سنناقشها فيه . وحينها فقط عرفت مَن هو صاحب قصيدة (متى تغضب) التي كانت لا تفارق لساني عبر سنوات طويلة . وعرفت أن من كتب هذه القصيدة إنسان ذاق مرارة النكبات والنكسات. وقسوة خذلان القضية الفلسطينية شعبا وأرضا ومقدسات .
حددنا موعد الحوار مع الدكتور التميمي وكان في العاشرة صباحا من أحد أيام شتاء عام ألفين واثني عشر. ذهبت إلى محل إقامته في مخيم اليرموك وكان ينتظرني خارج المنزل فأخذ بيدي ودخلنا إلى إحدى الغرف لنحتسي الشاي ونبدأ حوارنا الشيق والذي أخّرْنا إنزاله في الموقع الإلكتروني إلى حين إصدار أول ألبوم صوتي لبيت فلسطين للشعر وكان بعنوان ( متى تغضب) للدكتور عبد الغني التميمي .
كان الشيب الذي اشتعل في رأسه ولحيته يأخذني إلى السنوات الأولى التي قضاها الشاعر في قريته الفلسطينية, وكان ذلك أول ما أغراني للحديث عن فلسطين والقرية الفلسطينية لا سيما وأن جيلنا يقتات من أحاديث الكبار ليحافظ على حنينه للأرض وعشقه الذي لم يكسره التقادم ولا توالي الأجيال .
(دير نظام) قرية الشاعر التي ولد فيها والتي كان لها نصيب كبير من شعره .... تحدث عنها بمرارة، بحنين منقطع النظير, وشعرت كأني أسمع لأول مرة عن قرية فلسطينية ولا سيما حين قال فيها :

هناك قرية تعيش خضرة على التلال دائمه
أنهارها مطرزه
بالأضحيات الغائمه
وليلها مزركش به العيون هائمه
تلك البيوت الحالمات موطني
غرزت في معالمي معالمه
كنت أحب قريتي
لكنني أعشقها طاهرة الإزارْ
أرفض أن تكون مرقص لخمرة تُدارْ
أرفض أن يباع عرضها لأمسيات العار

سافرت مع هذه الكلمات وسرحت في عالم (دير نظام) وفي الحقيقة نسيت لبرهة أنني في حوار ويجب أن أكون منتبها أكثر لكل كلمة يقولها الدكتور التميمي ... وحمدت الله كثيراً أن آلتيّ التسجيل اللتين بحوزتي سجلتا الحوار بتنهداته وبأدق تفاصيله , ولو أني كنت سأعتمد على ذاكرتي أو قلمي في تلك اللحظات لما خرجت بحوار متكامل وواف لكل المحطات .
تابعنا مشوار الأسئلة والأجوبة وكنت أنتظر بفارغ الصبر الوصول إلى قصيدة ( متى تغضب) والحديث عنها وعن دور الشعر الحماسي في تحريك النفوس . وعلى الرغم من تردي الحالة الشعرية العربية إلا أن الدكتور التميمي أعاد لي من الذاكرة كيف كانت إحدى مهام الشعر الإثارة والتعبئة بقوله : " بقراءتي للواقع ولقاءاتنا مع الجماهير في المهرجانات نشعر بأن الناس تتفاعل مع الشعر الفصيح والقوي والذي فيه صدق في العاطفة, وهذا دليل على عدم غياب الشعر وأنه ما زال له دور في إنهاض الهمم والشعر الفصيح مهما كان المتلقي أو السامع فإنه يتأثر به مهما كان أميّا "
وعن الظروف التي دفعت الدكتور التميمي لكتابة هذه القصيدة وتخصيص هذا العنوان لها قال لي : "إن الحالة المتردية التي وصل إليها العرب والمسلمون جعلتني أكتب هذه القصيدة لا سيما وأن المسجد الأقصى ينتهك أمام أعين الجميع ولا أحد يغضب. "
كنت أنتظر بفارغ الصبر اللحظات التي سأبدأ فيها التصوير وما إن انتهى الحوار حتى انطلقت الكاميرا تلتقط ما نحب لها أن تلتقط , فصوّرت الدكتور لوحده وصوّرته مع ولده ثم التقط لنا ولده عدة صور جمعتني معه وكانت من أهم الصور التي التقطت في حياتي المهنية.
في اليوم الثاني زارنا الدكتور في مقر بيت فلسطين للشعر في مخيم اليرموك حيث جمع اللقاء الأستاذ سمير عطية مدير بيت فلسطين للشعر والدكتور محمد توكلنا مدير قسم الدراسات في البيت وأنا , وطبعاً الدكتور التميمي وكان اللقاء مثمراً إذ قُرِّر فيه إصدار الطبعة الثانية من ديوان (رسالة إلى المسجد الأقصى) وهو الإصدار الشعري الأول لبيت فلسطين للشعر.
الألبوم الصوتي الأول ... رحلة جميلة مع الدكتور التميمي .

الشاعر عبد الغني التميمي


بعد الحوار الذي أجريته مع الدكتور التميمي قررت هيئة التحرير في بيت فلسطين للشعر إصدار الألبوم الصوتي الأول لهذه المؤسسة الناهضة للدكتور التميمي وبصوته ... ولم يبق لإجازة الدكتور في سورية سوى يومين ... أجرينا العديد من الاتصالات لحجز استديو لتسجيل الألبوم وبعد جهد جهيد عثرنا على أحدها وهو الذي يملكه الفنان والمسرحي الفلسطيني عبد الرحمن أبو القاسم .
أخبرْنا الدكتور التميمي بأننا حجزنا استديو للتسجيل إلا أنه لم يكن هناك متسع من الوقت للدكتور التميمي للتسجيل نهارا وبدأنا بالتسجيل الساعة السادسة مساء وانتهينا قرابة الساعة الثانية عشرة ليلا .
اختار الدكتور قصائده بعناية فائقة وكنت أراقبه وهو يلقيها وأنا في غرفة الهندسة الصوتية أراقبه وأستمع إلى قصائده ... تفاجأت بطريقة إلقائه التي كانت واثقة يتقن فيها فن الصعود والهبوط في القصيدة . كيف لا وهو خطيب ذو نبرة صوتية واثقة ومطمئنة.
وبالرغم من إعادة كثير من المقاطع الشعرية والكلمات أثناء التسجيل لأسباب فنية أو تقنية وتوقعي بأن الدكتور سيبدي تذمره من مهندس الصوت , إلا أن رحابة صدر الشاعر وسعته فاجأتني أيضا. فلم يبد أي تذمر بل كان يتفهم كل مرة يطلب فيها مهندس الصوت إعادة مقطع أو كلمة , مستقبلا ذلك ببسمة شفافة .
أخذنا استراحة أثناء التسجيل وجلس معنا مهندس الصوت الذي كان يحمل ملامح غربية بشكل شعره الطويل وثيابه وطريقة كلامه. وتفاجأنا جميعا حين قال هذا المهندس إنه فلسطيني ومن مخيم اليرموك. حينئذ رأيت الداعية الدكتور التميمي وهو يحاور المهندس بطريقة جميلة بضرورة الصلاة والالتزام الديني ظاهرا وباطنا , ورد المهندس بأنه كان لا يقطع فرض صلاة وأن الوسط الفني هو ما أفسده وجعله يبدو بهذا الصورة . وبعد حوار قصير قال المهندس إنه سيعود ليصلي من جديد وسيحاول الابتعاد عن هذا الوسط .
بعد الاستراحة الجميلة تلك ألقى الدكتور التميمي قصيدتين إحداهما قصيدة (متى تغضب) وعند إلقائها سألني المهندس هل هذه القصيدة كتبها الدكتور التميمي ؟ فقلت له : نعم . فقال : والله بقيت أربع سنوات وأنا أتساءل مَن صاحب هذه القصيدة الرائعة ! وقال لي أنا أحفظُ هذه القصيدة كلها عن ظهر قلب وأخذ يرددها مع الشاعر كلمة كلمة . وبعد الانتهاء من هذه القصيدة ترك المهندس غرفته وسلّم الأجهزة لمهندس آخر وذهب إلى قاعة التسجيل ليرافق الدكتور وهو يجلس أمامه على الأرض مصغيا لكل كلمة يلقيها وكأنه تلميذ من تلامذته . وحين الانتهاء كليا من التسجيل طلب منا هذا المهندس أن يضع المؤثرات الصوتية هو على هذا الألبوم . وبعد فترة خرج الألبوم ليكون أول ألبوم صوتي لبيت فلسطين للشعر للدكتور عبد الغني التميمي .
الدكتور التميمي ... الشيخ الداعية والشاعر المبدع..
معرفتي بالدكتور عبد الغني التميمي في هذه المحطة من محطة حواراتي مع الشعراء تركت في نفسي أثرا كبيرا لما يجب عليه أن يكون الفلسطيني بشكل خاص والمسلم بشكل عام، علّمني الكثير وإن لم يلق علي أحد دروسه ومحاضراته . علمني كيف يجب أن تكون علاقتنا بالوطن الذي نحب ونحنُّ لترابه ونحمله معنا في حلنا وترحالنا . علمني كيف يكون الإنسان مبدعا في علمه وفي دعوته ... في انتقاء كلماته وترتيبها .
رأيته شيخا جليلا .. شاعرا مبدعا ... داعيا مع رحابة صدر قل نظيرها .
أخيرا " كلمات خالدة للدكتور التميمي ...
إلى جانب قصيدة (متى تغضب) للشاعر التميمي والتي كما سبق وأسلفت أنها التصقت بذاكرتي هناك كلمات من حواري مع الدكتور التصقت بعقلي وأهمها :
إن أي شاعر يحترم نفسه ويحترم ثوابته لا بد أن تبقى فلسطين كيانا في ذاكرته , أولاً لقداستها ولأنها أرض إسلامية , ولكونها ثالث مقدسات الأمة الإسلامية , ولكونها مراتع الصبا بالنسبة له فهي تجمع بين العاطفة البشرية والعاطفة الإنسانية والعاطفة الشرعية التي يجب ألا يتخلى عنها بأي حال من الأحوال , فلا يجوز أن تغيب هذه القضية عن وجدان الشاعر ولا سيما إذا كان فلسطينيا فهي تزيد مسؤوليته تجاه هذه القضية والتصاقه بها.
 

البحث