سماك العبوشي : تسمية المدرسة باسم والدنا لم يكن بمبادرة من مؤسسات فلسطينية رسمية PDF طباعة أرسل لصديقك

image496


حوار : سمير عطية
- كيف تلقيتم خبر إطلاق اسم الشاعر الراحل برهان الدين العبوشي على اسم مدرسة في مدينة جنين ؟.
ج - لا أخفي حقيقة مشاعري الجياشة وارتياحي لهذا الخبر السار والمفرح، ولو أنني أراه قد جاء متأخراً لعقدين من السنين، فالوالد "رحمه الله" كما تعلمون قد التحق بالرفيق الأعلى منذ عام 1995، وعقدان من الزمن بين رحيل الوالد "رحمه الله" وتكريمه ذاك تعد فترة زمنية طويلة، نظرا لما يمثله والدنا في الذاكرة الفلسطينية خاصة والعربية عموما من حضور فاعل ومشرف سواء من الناحية الأدبية أو الناحية الجهادية والنضالية والذود عن حياض فلسطين، وعلى العموم، فأقول: أن يأتي التكريم متأخرا خير من ألا يأتي أبداً ... هكذا جاء في أمثالنا!!.

ولكن...، هناك في القلب غصة، فما يحز في النفس أن تسمية المدرسة باسم والدنا لم يكن بمبادرة طوعية من مؤسسات فلسطينية رسمية، وإنما كانت نتيجة جهود طيبة كان قد بذلها بعض من مثقفي مدينة جنين ووجهائها الكرام وعلى رأسهم الأستاذ ياسين السعدي والذين تقدموا مشكورين بطلب جماعي موقع منهم طالبوا فيه بإطلاق اسم ابن جنين وشاعرها وشاعر فلسطين "برهان الدين العبوشي" على إحدى مدارسها عرفانا منهم له، وهو الذي تغنى بها وبربوعها وسفوحها في شعره كثيرا ودافع عنها بحمل السلاح مع أبناء جنين الغيارى وبرفقة الجيش العراقي الباسل لمقاومة عصابات يهود الصهاينة لمنعهم من احتلالها إبان حرب 1948.

- هل ترون أنّ هذا التكريم قد جاء متأخرا أم أنه مرحلة من مراحل تكريم هذه القامة الشعرية ؟.
ج – لقد اعتادت الأمم والشعوب الراقية والمتقدمة أن تتباهى بما لديها من رموز ثقافية وعلمية، فتعمل جاهدة حثيثة على رعايتهم والاهتمام بشؤونهم في حياتهم، وتسلط الأضواء على منجزاتهم وتتفاخر بها في مهرجانات تنظم لهذا الغرض من أجل إبراز إرثها ذاك بين الأمم، فتعيد إلى أذهان أجيالها اللاحقة ذكرى من فارق الحياة من رموزهم وصنـّاع تاريخهم وبناة مجدهم وتنشر منجزاتهم وتشيد بها إكراما وتخليدا لهم واعتزازا بصنيعهم وجهدهم.
وبرغم الكتب والدراسات النقدية الكثيرة التي نشرها عدد كبير من كتاب الأدب العربي ونقاده على امتداد أرض العرب، حتى أن بعضهم قد وصف والدنا بالشاعر المظلوم والمنسي دلالة على ما عاناه والدنا من إهمال إعلامي فاضح، وها هو الأستاذ محمد أبوعزه يقول في مقدمته عن مسرحية الشاعر الراحل "شبح الاندلس" في طبعة مؤسسة "فلسطين" الثقافية وأقتبس نصا: "هذا شاعر فلسطيني كبير، يمكن أن نطلق عليه لقب (الشاعر المظلوم) .. نسيه النقاد والدارسون لأسباب غير معروفة وحتى الذين أتوا على ذكره من أمثال سارة ديكان واصف في (معجم الكتاب الفلسطينيين) ومحمد عبدالله عطوات في كتابه عن الشعراء الفلسطينيين وغيرهما، فإنهم ذكروا أنه توفي عام 1970 مع أن الرجل عاش حتى عام 1995 ، أي أنهم غيبوه قبل ربع قرن من غيابه"... انتهى الاقتباس، أقول وبرغم ذلك كله فلقد تجاهلت المؤسسات الفلسطينية الرسمية الشاعر الراحل تماماً رغم دوره الريادي، فلم تذكره في مناسبة ولا احتفال، باستثناء وسام القدس للثقافة والأدب الذي منحه لوالدنا الرئيس ياسر عرفات "رحمه الله" ببغداد عام 1990 وخاطبه يومذاك في الاحتفال التكريمي قائلا له " أنت أستاذنا في الوطنية والجهاد ... ومنك نتعــلم" تقديرا منه لعطائه الأدبي!!.
لكنني أعيد ما ذكرته آنفاً ... أن يأتي التكريم متأخرا خير من ألا يأتي أبداً!!، وأتمنى أن يكون التكريم آنف الذكر مرحلة من مراحل تكريم جميع رموز الحركة الثقافية الفلسطينية وإبراز دورهم الريادي في المشهد الثقافي الفلسطيني وبالشكل اللائق والمنصف ... والعادل!!!.

 

- تأخذ وسائل التعريف بشعراء الوطن آليات تقليدية غير جاذبة حيناً ومؤثرة في شرائح ضيقة حيناً آخر ، ما رأيك بهذا القول ؟.
ج - كلام فيه من المصداقية والشفافية الشيء الكثير، فأكثر ما يعيب مؤسساتنا الثقافية أنها تنتهج نهجا انتقائيا ضيقا في تكريم ورعاية رجالات الثقافة والأدب والشعر، فتراها تهتم بهذا الأديب أو الشاعر فيما تترك سواهما يطويه غبار النسيان ولأسباب لم تعد خافية على اللبيب!!.
كلمة أقولها في هذا اللقاء ومن منبركم الكريم هذا لقادة حركتنا الثقافية العربية عموما والفلسطينية على وجه التحديد، تسامَوا ا]ها الإخوة الأفاضل عما أنتم عليه من أنانية ومصالح فئوية، أكرموا ذكرى رموز نهضتكم وأرثكم الثقافي يعلُ شأنكم وتزداد مصداقيتكم بين إخوتكم وأبنائكم، وتعلموا كيف تصدقون القول وتقرنون الوعد بالفعل والتطبيق، فهذه لعمري آفتنا ومصيبتنا، وفيها مقتلنا وضياع إرثنا وتاريخنا، والحليم تكفيه الإشارة!!!.

الشاعر برهان الدين العبوشي باللباس العسكري


- ما هي الوسائل الأخرى التي يمكن للمؤسسات المختلفة أن تأخذ بها لتكريم الأسماء الفاعلة في تاريخ شعبنا وقضيتنا ؟.
ج - لاشك من أن دورا كبيرا يقع على عاتق المؤسسات الثقافية الفلسطينية يتمثل من خلال إبراز أسماء الرواد من مثقفينا وأدبائنا وشعرائنا والتعريف بعطائهم وإبداعهم الفكري، وأرى ضرورة أن تقوم تلك المؤسسات الكريمة بعملها خير القيام فتعمد إلى تنظيم وبلورة جهدهم من خلال إقامة ندوات فكرية ومؤتمرات ثقافية يتم من خلالها استضافة الأدباء والشعراء والنقاد وإظهار الجانب المشرق الذي سجله عطاء وبذل هؤلاء الرواد، وأن تتحين تلك المؤسسات الثقافية الفرصة بتكريمهم من خلال اختيار مناسبات خاصة بهم كمئوية ولادتهم أو مرور عقد من السنين على وفاتهم، تماما كما فعلت جامعة البترا الأردنية مشكورة حين أقامت عام 2012 ندوة أدبية بالذكرى المئوية لولادة الشاعر الراحل "برهان الدين العبوشي" استضافت فيها عددا من الأساتذة والأكاديميين الجامعيين الأكفاء ومن اصحاب الاختصاص الأدبي فوزعت عليهم محاور غطت معظم الجوانب الأدبية والنضالية للشاعر الراحل، وكذا فعل مشكورا "بيت فلسطين للشعر" بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لوفاة الشاعر الراحل فأبرزت عطاءه ونضاله واختتمت تلك الفعالية بمسابقة شعرية تم تكريم عدد من الشعراء الشباب العرب.

- ما هو المشروع الذي تحلم به لتخليد ذكرى الوالد الراحل ؟.
أتمنى من كل قلبي أن تعمد وزارة التربية في فلسطين المحتلة وجامعاتها إلى إدخال عطاء والدنا النضالي والشعري في المناهج المدرسية والجامعية، وإبراز دوره وتضحياته تجاه أمته العربية عموما ووطنه الأم فلسطين خاصة، ليكون نبراسا يهتدي به شبابنا ويقتدي بعطائه ويتعلم منه التضحيات وكيفية نكران الذات لمصلحة قضيته الكبرى.

الشاعر برهان الدين العبوشي وزوجته


- كلمة أخيرة ، لأصدقاء بيت فلسطين للشعر .
ج – لقد اعتاد بيت فلسطين للشعر منذ تأسيسه على إبراز دور رواد الأدب والثقافة عموما دون التفات لانتماء أو فصائلية بغيضة، فكان نصيب والدنا من تلك الرعاية الشيء الكثير، ولم يدخر بيت فلسطين للشعر وسعا ولم يدخر جهدا في إحاطة والدنا الراحل بالرعاية والاهتمام بعدما أدركت أنه كان بحق "الشاعر المظلوم والمنسي" كما وصفه بعض نقاد الأدب العربي في دراساتهم وكتبهم.
لقد أنصف العديد من الأدباء والنقاد العرب والدنا الشاعر والمجاهد الراحل وأبرزوا دوره الأدبي وعطاءه النضالي، في وقت تناست المؤسسات الثقافية الفلسطينية دوره وعطاءه، فها هو الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الكيالي على سبيل المثال لا الحصر يصف الشاعر الراحل وعطاءه بكتابه الموسوم "الشعر الفلسطيني في نكبة فلسطين" حيث قال وأقتبس نصاً "وهكذا يظهر أن ( برهان ) شاعر التزم تلقائياً بقضية بلاده ، فجاء شعره سجلاً واعياً صوّر كفاح الشعب الفلسطيني خلال فترة الانتداب ونكبته بالصهيونية منذ عام 1948 وبعده."، وهاهو الدكتور محمد عبد عبدالله عطوات في كتابه الموسوم "الاتجاهات الوطنية في الشعر الفلسطيني المعاصر من 1918 إلى 1968" حيث يصف الشاعر الراحل وأقتبس نصاً: "شاعر مجاهد، سَخـّـر شعره لخدمة أمته وبلاده، وتقلـّد بندقيته وأبلـى في الدفاع عن فلسطين أحسن البلاء، شعره ترجمان صـادق لما يضطرم في جوانحه، لاسيما الشعر الوطني ."، وهاهو الشاعر محمد حسيب القاضي يصف الشاعر الراحل بأروع الصفات في دراسته الموسومة "عن المسرح الشعري الفلسطيني " المنشورة في موقع " منتدى مسرحيون " بتاريخ 15/2/ 2006 حيث قال وأقتبس نصا: "وكما نرى أن شعراء المسرحية في فلسطين غلبت عليهم الموضوعات التاريخية المستقاة من التراث العربي والإسلامي فيما سعى " العبوشي " إلى توسيع الدائرة وعالج مأساة فلسطين أو نذر المأساة قبل أن تحدث من خلال وعد بلفور والثورات المتعاقبة التي ناهضت المشروع الصهيوني البريطاني، وهجرة اليهود إلى فلسطين وقضية السماسرة حتى إندلاع ثورة العام 1936 وذلك في مسرحية " وطن الشهيد " التي اعتبرها المسرحية الشعرية الوحيدة التي اهتمت بطرح القضية في وقت مبكر الأمر الذي يشكل إرهاصاً قوياً بكل ما جرى بعد ذلك في العام 1948 وبصرف النظر عن درجة التوفيق التي حالفت هؤلاء الشعراء في كتابة مسرحياتهم الشعرية وعن إمكاناتهم المتاحة لتوظيف الشعر كأداة درامية فإن مؤرخ الأدب في فلسطين سوف يعتبر هذه المحاولات إشارة باكرة إلى وجود مسرح شعري في فلسطين كان يواكب شوقي وعزيز أباظة في مصر وأحمد باكثير في اليمن ما يدل على وعي متقدم في هذا المجال البكر."... انتهى الاقتباس.
مسك ختام لقائي، لا يسعني إلا أن أتوجه بجزيل الشكر والعرفان لبيت فلسطين للشعر، مباركاً لها جهودها الرائعة في إبراز الجانب المشرق من مشهدنا الثقافي والحضاري، وأشد على أيدي قيادتها الخلاقة والكريمة وعلى رأسها مديرها العام الأستاذ الشاعر سمير عطيه متمنيا لهم دوام الموفقية والسداد، وجزاهم الله خيرا.
والسلام عليكم.

 

 

التعليقات  

 
0 #1 حلمي الزواتي 2013-04-28 22:32
رحم الله الصديق الشاعر الفارس الأستاذ برهان الدين العبوشي، و بارك في أولاده البررة الذين أحيوا ذكر والدهم العطر، وجزى الله تعالى خيرا كل من تناول شعره بالبحث و الدرس. لقد كان الأستاذ الراحل شاعر فلسطين كل فلسطين، حمل همومها في قلبه وروحه وبقيت جرحه الذي لم يندمل حتى لاقى ربه راضيا مرضيا بعيدا عن الأرض التي أحب والتي من أجلها ضحى ولها كتب أجمل القصائد و أعذبها، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة و أسكنه فسيح جناته مع الأنبياء و الصديقين، و حسن أؤلئك رفيقا.
اقتباس
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث