الشاعر صالح هواري PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : وسام الباش

الشاعر صالح هواري مع وسام الباش

كل شيء للوطن‏
كل شيء للقضية‏
ليس للروح ثمن‏
فهي للأرض الأبية‏

تردد في صباي اسم عائلة هواري كثيرا وكنت أسمع دائما من قبل العائلة أو الجيران هذا الاسم. ما لبثت بعدها أن عرفت أن كثيرا من جيراننا من عائلة هواري. وفي شبابي تردد اسم صالح هواري على لسان والدي وعلى ألسنة أساتذة اللغة العربية في المرحلة الثانوية كأحد أهم شعراء فلسطين في الشتات .

سألت والدي دوما عن الشاعر صالح هواري وكان يقول لي غنينا قصائده في مدارسنا وسمعناها في عدد من الإذاعات وخاصة في إذاعة صوت فلسطين من دمشق وحفظناها عن ظهر قلب لما لها من طابع حماسي تحريضي على الثورة والنضال ومقاومة العدو الصهيوني بالإضافة لما غلب عليها من حنين للوطن ودفع للعودة.
وفي بيت فلسطين للشعر كنت على موعد بل مواعيد مع الشاعر الكبير صالح هواري الذي ما انفك يلبينا كلما دعت الحاجة إلى معرفة موقف الشعراء الفلسطينيين في الشتات من حدث معين.
رفض في البداية الحوار معنا ظنا منه أننا مرتبطون بإحدى الفصائل الفلسطينية التي له موقف سلبي منها إلا أنه وافق بعد أن عرفنا وعرف بيت فلسطين للشعر وتوجهاته وجديته في تأريخ الشعر الفلسطيني ودوره في الحفاظ على هذه الإرث الكبير من ميراث القضية الفلسطينية .
اتفقنا معه على إجراء الحوار في فرع اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين الواقع في شارع مرشد خاطر بدمشق لما لهذا المكان من خصوصية في قلب الشاعر.
عندما أبصرته تذكرت قصيدته التي لطالما رددتها الإذاعات العربية وحفظناها صغارا والتي تقول:

العزم بالإصرار بالثبات‏
بقوة الإيمان بالسلاح‏
من موتنا ستولد الحياة‏
من دمنا سيورق الصباح‏

عندما عرفته بنفسي قبلني كثيرا وقال لي أنت من رائحة والدك الذي أحبه كثيرا فوالدك جاري وزميلي وقضينا كثير من الأوقات في الحديث عن الشعر والنقد قبل أن يتوجه والدك من النقد إلى الدراسات الإسلامية ومقارنة الأديان.
وفي الوقت الذي كنا نجهّز فيه آلات التصوير كان الشاعر يلقي نظرة على الأسئلة ويكتب رؤوس أقلام هي عبارة عن ملاحظات حول الحوار ويتحدث مع الأستاذ سمير عطية عن الحوار ومتى سينشر وأي فضائية ستبثه ... إلى ما هنالك من أسئلة .
حين سألناه أول سؤال في الحوار وكان عن قرية الشاعر سمخ – قضاء مدينة طبريا- سرح الشاعر قليلا قبل أن يجيب وكأن الحديث عن سمخ له وقع خاص وكبير في شخصية شاعرنا الذي كتب الشعر مبكرا وأول ما كتبه كان عن مراتع الصبا والقرية والبحيرة والسمك الطبراني المعروف الذي اتقن شاعرنا صيده في بحيرة طبريا.
وبتنهيدة كبيرة وبكلمات قالها باللهجة العامية ( شو بدك بها السؤال) هذا السؤال ينبش في الجراح عميقا ويؤلب كل المواجع ويثير في نفسي الكثير يذكرني ببيتنا في سمخ بأهلي وأخوتي يذكرني بفواز عيد تذكرني بمقاعد الدراسة التي تنبأت لي بأني سأكون شاعرا تذكرني بالنكبة ، تذكرني برحلة اللجوء المريرة.
قال الشاعر: النكبة هي سهم أسود انغرس في خاصرتي وذاكرتي ولا يمكن أن يغيب أبدا وعندما أتذكر قريتي أستعيد شريط الذكريات في سمخ أملئ ماء على الوسادة واستعرض كل مكان ذهبت إليه في القرية وكل مكان لعبت به وخاصة بحيرة طبرية التي كنت أسبح فيها ..عندما أتذكر كل ذلك تنزل الدموع وتملئ الوسادة . النكبة حفرت في وجداننا ولن تزول أبدا إلا بالعودة إلى فلسطين إنشاء الله .
كان يقول كلماته وتعابير وجهه تحكي ألما وحنينا ووجعا لا يظهر إلا حين الحديث عن البلد، بين الجملة والجملة تنهيدة كبيرة ووقفات أثارت في نفسي كثيرا من الأسئلة التي لم تكن في أجندة الحوار. وكل دقيقة تقريبا كان يضرب الطاولة بقليل من الغضب وكثير من الحزن ويحلق بعينيه نحو مجهول لم نكن لنعرفه لولا سؤالي له بعد الحوار عن هذه الوقفات الصامتة والطَرَقَات المثيرة .
تفأجات بجوابه حين قال لي كنت أتوقف عند موتي وعند اللحظات التي ظننت فيها أني مفارق هذه الدنيا يوم أن أجريت عملية جراحية في القلب الذي تغلب على موتي وأكمل مشوار نبضه وكنت أسأل نفسي هل سأموت دون أن أعود إلى سمخ أو أشاهدها بأم عيني من جديد .
عرفت حينها كم يتعلق هذا الجيل بوطنه. وكم يتمنى الرجوع إليه ومشاهدته ولو لمرة أخيرة . وأدركت حينها لم علينا نحن الجيل الثالث من النكبة أن نتعلق بوطننا اكثر فأكثر وأن نتمسك بحق العودة .
التقيت الشاعر في مناسبات كثيرة وأجريت معه العديد من الحوارات وكل حوار معه كان له طابعا خاصا ويكشف لنا عن مكنونات هذا الشاعر وكنوز اللغة والمعرفة الأدبية التي ما بخل في منحنا إياها .
أحد الحوارات كان حول الشاعر الفلسطيني حسن البحيري وشعره وفي هذا الحوار بالذات لمحت في عيني الشاعر صالح هواري دمعات حين طلبنا ذكر علاقته بالشاعر البحيري حيث قال : أن حادثةً أثرت على علاقتنا مع بعضنا, وما حدث أننا كنا مدعوين إلى مهرجان شعر في طهران, وفي ساحة الفندق كنت أجلس مع بعض الأصدقاء فسألوني عن تجربة الشاعر حسن البحيري الأدبية فقلت لهم رأيي في شعره بصراحة من أنه شعر تقليدي يفتقد التجديد, وكان حسن البحيري يجلس ورائي تماماً, فسمعني أقول رأيي فيه, وبعد أن انتهيت ربتَ على كتفي وقال لي: شكراً لك يا صالح. فخجلت منه جداً ومن وقتها لم تعد علاقتنا جيدة. وقد حاولت أن استرضيه. وقد نقل موقفي منه للشاعر الفلسطيني سميح القاسم الذي جاء إلي وقال ( هيك عملت يا أستاذ صالح مع شاعرنا حسن البحيري ) فحاولت أن أتنصل ولم أستطع. وبعد تلك الحادثة زرت الشاعر البحيري عدة مرات, إلا أن شيئاً ما انكسر في علاقتنا. ودائما أدعو في نفسي أن يسامحني حسن البحيري على موقفي من شعره, وعلى الحزن الذي تسببت به عندما أبديت رأيي فيه وهو ورائي ، . وعندما كنا في جنازته بكيت على فراقه لأنه فعلاً كان إنساناً بكل ما تحتويه الكلمة من معنى.
توطدت علاقة بيت فلسطين للشعر بالصالح هواري بعد إقامة مهرجان نيسان الأدبي في دمشق الفيحاء حيث كان الشاعر صالح هواري أحد النقاد المشرفين على يوم من هذه الاحتفالية التي استمرت خمسة أيام.
وفي تعليقه على قصائد أحد الشباب تسمرت آذان كل من كان في القاعة حيث تعرض هذ الشاب لانتقاد لاذع من قبل الشاعر هواري وطلب إليه أن ينصرف من كتابة ما يسميه شعرا إلى كتابة الخاطرة أو القصة القصيرة إذ لا يشبه نصه لا القصيدة النثرية ولا أي نوع من أنواع القصائد .
على الرغم من موقف الشاعر المعتدل من القصيدة النثرية إلا أنه أبدى امتعاضه من عدد من القصائد التي ألقيت في هذه الاحتفالية قائلا لي بعد الاحتفالية إن بعض الذي ألقي ليس شعرا بل شعيرا وإن بعض من صعدوا المنبر ليلقوا ما جاؤوا به ليس سوى صفّ كلمات لا أكثر .
طبعا عاب الشعراء والنقاد الذين كانوا يحضرون الاحتفالية هذا الموقف من الشاعر لأن الاحتفالية كانت مخصصة للشعراء الشباب وعلى نقادهم تشجيعهم لا تكسيرهم وتحطيم هواياتهم.
نقلت للشاعر هذه المواقف المتباينة من موقفه الذي أبداه على المنبر فقال لي أنا أشعر شعراء فلسطين ومسؤوليتي أن أنقل رأيي بكل تجرد طالما أنا الناقد. تفهمت موقف الشاعر وصمتُّ.
إن اللافت في شخصية الشاعر صالح هواري حبّه الشديد للأطفال وللطفولة وتغنيه الدائم بشعره الغنائي الموجه للأطفال. وبعد سنة على لقائي الأول مع الشاعر صالح هواري التقيت أحد الكتاب في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين ودار الحديث عن الشاعر صالح هواري الذي كان أستاذ هذا الكاتب في المرحلة الابتدائية. حيث قال لي : يكاد يفرغ صبرنا إلى حين الحصة الدراسية للأستاذ صالح حيث كانت تعتبر حصة تربوية تعليمة ترفيهية بامتياز، فقد كانت حصته درسا فلسطينيا خالصا، درسا عن العودة والحنين الدائم حيث كان دائم الترنم بقصائد للطفولة في هذه الحصة .
اللافت أيضا أنه كل حوار جمعنا مع الشاعر وجّه الكثير من الملاحظات إلى هذا الشاعر أو ذاك وكان يبدي استياءه الكبير من شعراء كبار أمثال محمود درويش وسميح القاسم الذين هم برأيه كتاب شعر رفعهم الإعلام وروّج لأعمالهم اكثر مما يستحقون. بينما هناك شعراء أقوى منهم كلمة وأداء أمثال يوسف الخطيب وصالح هواري لم يأخذوا حظهم من الإعلام ومن التجربة النقدية العربية .
أخيرا إن من يجالس ويحاور الشاعر صالح هواري يلمس روحا وفكرا وشعرا عاش تجربة طويلة وكبيرة تجمع بين بساطة الشخصية وطابعها الطيب وبين كبرياء صنعه اعتبار الكثيرين الشاعر صالح هواري احد اهم رموز الشعر في الشتات الفلسطيني.

 

البحث