حوار بيت فلسطين للشعر مع الشاعر ياسر علي PDF طباعة أرسل لصديقك

الشاعر ياسر علي : كان للحزن لذة أستشعرها في كتابتي، وأغوصُ في أعماقها

ياسر علي

إذا لم يستطع الشعراء والأدباء التأسيس لمرحلةِ «أدب العودة»، فهذا يعني أنَّهم مقصّرون في دَورِهم
من بين أوجاع تل الزعتر ومخيّمها ، ومن أطياف بلدةٍ يحلم بالعودة إليها ، من وهج الحنين وألق الكلمة ، من بين حنايا السّطر المحمّل بالأمل ، والقلب المحاصر بالمجازر ،
وُلدت الحكاية الشعرية لياسر علي ، من مسافات الحرف المضيء بالإرادة والتضحية والإبداع ، وبحار من محابرالحتف الهادرة .

 له رؤيته في العمل الثقافي الفلسطيني بين العوائق والتحديات وآفاق تطوير العمل الشعري وتقديمه إلى الجمهور ، حاورناه في هذا اللقاء وهو شاعر العودة لشهر أيّار/ مايو لنقرأ معه أكثر ونقترب من شجنه ووطنه قدر ما أمكن .

بيت فلسطين للشعر – حوار : سمير عطية وفايز أبو عيد
* نرجو أنْ تُعرّفنا بسيرتك الذّاتية والمهنيّة .
ولدتُ في مخيم تل الزعتر عام 1969، وتنقلت بين المخيمات الفلسطينية في لبنان. نشطت في المجال الثقافي الفلسطيني في لبنان، فكنت عضو الهيئة الإدارية في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين – لبنان.
عملتُ في مجلة الأمان اللبنانية ( الصفحة الثقافية: 1996-2000)، ومجلة فلسطين المسلمة (2001- 2007). مسؤولاً عن الصفحات الثقافية.
ترأستُ تحرير مجلة البراق في لبنان (2004- 2007). ومجلة العودة (2007-2011). شاركتُ في العديد من الندوات السياسية والثقافية والبرامج المسموعة والمرئية في لبنان وسورية والإمارات العربية وقطر وتركيا والنمسا وألمانيا..
أصدرتُ ثلاثة كتب هي: «قرية شعب الجليلية وحاميتها» (2007)، «المجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني» (2011). ومجموعة شعرية بعنوان «خلف أسوار الهوى» (2011).
أشغل الآن رئيس تحرير موقع «لاجئ نت». ومدير عام شركة دار العودة للدراسات والنشر.
* هل انعكست نشأتك في مخيم الزّعتر على شخصيتك الثقافية، ونتاجاتك الشعريّة؟ وإن كانت الإجابة بالإيجاب فكيف؟
لا شك أن للبدايات تأثيرات مباشرة وغير مباشرة.. وتجربة تل الزعتر التي عايشتها طفلاً، وفّرت لي مخزوناً مهماً في تجربتي، بل إنه فاجأني في بعض الأحيان.. كما حدث معي ذات مرة حين أردت أن أكتب عن أمي في يوم الأم منذ سنوات نصاً نثرياً، ففوجئت بأن مسار الكتابة يذهب إلى يوم الرحيل والمجزرة في 12 آب 1976، حين خرجت مع أخي وأمي من المخيم.
أما الشعر، فلا أدري إن كان لتجربة تلّ الزعتر تأثير في شعري، لكني لا أشك أن الإرهاصات الشعرية في بدايات الكتابة كانت حزينة وكئيبة.. اعتقدتُ غالباً أن الوضع العام الذي نعيشه نحن اللاجئين في لبنان هو المؤثر الرئيس في السمات غير المتفائلة في بدايات كتابتي..
وأعترف هنا أن مدى الحزن بلغ بي إلى مرحلة المازوشية في بعض الأحيان، فكان للحزن لذة أستشعرها في كتابتي، وأغوص في أعماقها.. إلى درجة أن إحدى قصائدي كنت كثيراً ما أغصّ وتخنقني العبرات عندما أقرأها.
* لماذا تعدّدت المعالجة الفنية في قصائدك لقضية اللجوء الفلسطيني؟ وكيف استطعت أن تُنوّع المضامين الشعرية في قصائدك عنها؟
أظن أنني عشت الشعر كحياة.. والحياة تتعدد معالجاتها، لذلك انعكست حياتي على قصائدي. فضلاً عن أني كنت أترك العنان للشعر أينما ذهب بي، فلا أحاول ضبطه وتهذيبه إلا في المراحل الأخيرة من التنقيح.
فكنت أعيش المقاومة، فأنشد لها وأكتب لتفصيل صغير فيها أحياناً، وأعترف أنني حين أعدّ القالب قبل أن أكتب، فإن القصيدة تستغرق مني وقتاً طويلاً، وتكون كتابتها هندسية، بأشكال ومضامين معروفة، لا جديد فيها. أما إذا تركت للمضمون والفكرة العنان، فإن القصيدة تظهر بشكلها الذي يمثلني شخصياً.. وحين لا تأتي الفكرة، لا أجد نفسي مجبراً على كتابتها.
* كتبت القصيدة الغنائية منذ سنوات، فهل تجد أنها أفادت تجربتك الشعريّة؟
سؤال مهم، أقلقني كثيراً، إلى أن وصلت إلى استنتاج هو: إذا لم تتكامل القصائد مع الألحان والأداء، فإنها ستبقى سجينة الكتب والجمهور الضيق. أما إذا أتحْنا لها الوصول إلى جمهور أوسع، فإن تأثيرها سيكون أكبر.
وأنا، في البداية، لم أقصد كتابة القصيدة الغنائية، لكن تجربتي القصيرة مع عدد من المنشدين، شجعتني للاستمرار وعدم التردد في هذا المضمار. وأعتقد أنها أضافت لمسيرتي إيجابيات كثيرة استفدت منها في تجربتي.
* استطاعت القصيدة الفلسطينية أن تحمل القضية إلى العالم خلال العقود الماضية، فهل ما زالت قادرة على فعل ذلك؟
أولاً، أرى أنّ القصيدة الفلسطينية لا تحمل جنسية الشاعر، بل تحمل مضامين القضية الفلسطينية ؛ فقصائد الشعراء العرب عن فلسطين تُعَدُّ من القصيدة الفلسطينية، وهناك الكثير من القصائد الغربية عن فلسطين، وخصوصاً التجربة الهسبانية (الدول الأمريكية الناطقة بالإسبانية)..
ثانياً، أعتقد أن القصيدة الفلسطينية حاملة للشاعر، وليست محمولة من الشاعر.. بمعنى أنها تشرّف الشاعر وليس العكس، وبالمعنى نفسه تشهره وتعرف الجمهور به وتقدمه إليهم.
ثالثاً، ما زال للقصيدة الفلسطينية جمهورها، ولكني أعتقد أن تراجع الشعر بشكل عام انعكس على القصيدة الفلسطينية بتأثير أقل.. بمعنى أنها صمدت أكثر من القصيدة العربية عموماً.
أخيراً، ما زلت عند رأيي، بأن الشعر يحتاج وسائل إيضاح وترويج. كالتعاون مع الموسيقى أو المسرح أو الفيديو كليب أو غيرها.. لم تعد تكفي المهرجانات الشعرية، وقد لمسنا في السنوات الأخيرة تراجع جمهور المهرجانات، في ظل وجود من يوصل مادة أكثر إتقاناً إلى الجمهور ويضعها في أيديهم (بالريموت كونترول) ليتحكموا بها.
*نجدُ قصائدك تُبشر بالعودة وتحيي المقاومة رغم الواقع الفلسطيني والعربي الصعب، من أين يستوحي الشاعر ياسر علي هذا الأمل الكبير في قصائده؟
من الإيمان بالحق.. فأنا لست من الذين يتحدثون عن صراع حدود، ولا عن صراح وجود.. بل أتحدث عن صراع بين الحق والباطل، منذ بدء الخليقة. ونحن الفلسطينيين، كنا الشعب الذي اختاره الله في هذه المرحلة لنكون جنود الحق.. فمن كان معنا، فهو مع الحق، ومن لم يكن فهو مع الباطل..
وبالخلاصة، لا بد للحق أن ينتصر.. ولأنه انتصاره حتمي، فإني الأمل مسار إجباري لا مفر منه، فكيف إذا كنت أحبه ولا أسعى إلى الفرار منه.
* كيف ترى المشروع الشعري الفلسطيني في إطاره الواسع؟ ما هي التّحديات التي تواجهه؟
المشروع الشعري الفلسطيني يحتاج مقدرات دولة توليه الاهتمام اللازم في إطار مشروع ثقافي وطني فلسطيني..
أعتقد أن أهم التحديات التي تواجه هذا المشروع هو عدم سعي الجهات الفاعلة (الرسمية تحديداً) إلى تعميم الثقافة والمطالعة ورفع مستوى الذائقة الفنية لدى الجمهور، ودعم المشاريع الثقافية وطباعة الإنتاجات المهمة وتوزيعها. واكتشاف الطاقات المغمورة وتدريبها وصقلها، ودمجها في المجتمع الثقافي وتسليط الضوء على تجاربها.
وثمة عقبات أخرى تواجه الاتحادات والروابط، أبرزها الطموحات الشخصية والأهداف السياسية. وهنا أميّز بين الأهداف السياسية والأهداف الوطنية؛ وهي مطلوبة بالتأكيد. وتبرز الطموحات الشخصية في سعي بعض المثقفين لجعل الثقافة مطية أو جسراً لطموحاتهم السياسية. ولدينا في التجربة الفلسطينية الكثير من الأمثلة على ذلك.
* تُصر على إطلاق البعد الإنساني في قصائدك على نحو ما فعلت في «خلف أسوار الهوى» و«حسناء» و«لؤي» وغيرها من القصائد.. كيف ترى أهميّة هذه الجوانب في تجربتك الشعرية؟
بالنسبة إليّ، فلسطين هي الأم والأب والأخت والحبيبة.. وتصب مشاعري الإنسانية في كثير من جوانب القضية الفلسطينية، لذلك فهي ليست جماداً بلا روح (هي أرضٌ ليست عقاراً) وليست فكراً تنظيرياً (هي قضية وليست فكرة فقط) يتجسّد في شعري.
لذلك لم أستغرب سرعة خفقان قلبي وبكائي كطفل أكفكف دموعي بأكمامي حين رأيتها عام 2000 في الجنوب اللبناني، وفي معظم المرات التي زرت فيها تلك المنطقة.
* الشاعر ياسر علي هو الشاعر الثلاثون في مشروع " شاعر العودة " منذ انطلاقته في يناير 2012م، كيف تقرأ هذا الاختيار؟
معايير الاختيار تنحصر بأصحاب الحق بمنح هذا اللقب، أعني «بيت فلسطين للشعر»، وأعتقد أنهم اختاروني لأني أكتب شعراً ملتزماً بالقضية الفلسطينية وثوابتها، وعلى رأسها حق العودة.
* كيف يمكن للمؤسسات الأدبية والشعرية أن تؤسس لمرحلة " أدب العودة "؟
الشعراء، عبر التاريخ، وقبل الفتوح تحديداً، كانوا قرون الاستشعار في مجتمعاتهم، أو لسان الحال في جمهورهم. وباعتقادي، إذا لم يستطع الشعراء والأدباء التأسيس لمرحلة «أدب العودة»، فهذا يعني أنهم مقصرون في دورهم..
العودة والتحرير وكل القيم الإنسانية، يجب أن يستشرفها المثقفون والشعراء قبل الساسة والقادة.. وهذا الدور منوط بمؤسساتنا الثقافية قبل مؤسساتنا السياسية.
* ختام هذه الأسئلة في رياض الحديث الجميل مع شاعرنا ياسر علي...ما هي إصداراتك الشعرية القادمة؟
أما وقد أصدرت مجموعتي الأولى «خلف أسوار الهوى»، التي تركّزت في معظمها حول موضوع القدس، فإن الحيرة الأساسية، هي في اختيار عنوان للمجموعة الثانية، ثم اختيار القصائد المناسبة له. ولديّ قصائد تكفي لعدة مجموعات.
ولدي عنوانان رئيسان أفكر فيهما. الأول: الأناشيد والمراثي.. والثاني: ظلال الأخوّة. غير أني إذا لم أوفّق في هذا سأحاول أن أصدر مجموعة بقصائد مرتّبة تاريخياً.
وطالما بقيت هذه الحيرة، وذاك الانشغال، أعتقد أني سأبقى عاجزاً عن إصدار أي مجموعة!!

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث