شاعر العودة " مروان الخطيب " في حوار صريح PDF طباعة أرسل لصديقك

لستُ مُتحازاً للونٍ أدبيٍّ دونَ لونٍ آخر، وإنَّما للمهارةِ الفنيَّةِ وللهدفِ الرَّاقي الكامن في الأداءِ الإبداعي
التَّكريمُ فكرة، كما الوردةُ فكرة؛ عنيتُ بأنِّي أنظرُ إلى فلسفتِهِ أكثرُ من نظري إلى واقِعِه الحِسِّي

مروان الخطيب

بيروت – بيت فلسطين للشعر
أجرى الحوار : فايز أبو عيد

لِكَلماتِه وقصائده ومواضيعه نكهة خاصة تُبحر بك إلى عالم تذوق الكلمة الصادقة المنبعثة من شاعر عانى مرارة اللجوء والتشرد فكتب عن الوطن وعشقه له بشغف العاشق الذي يتوق إلى أرضه وجسد بكلماته حلم أبناء شعبه الذي لا يزال يراودهم.
الشاعر الفلسطيني مروان الخطيب هو ابن المخيم, هو ابن البارد, صاحب قلم حر مقاوم يسخره لخدمة أبناء شعبه المظلوم، يطوع اللغة ليعبر بها عن معاناة شعب ذاق مرارة النكبة والحرمان.
(بيت فلسطين للشعر) ألتقى الشاعر والأديب مروان الخطيب فكان هذا الحوار:

 * متى بدأ مروان الخطيب يشعر بأنه يقف على شاطئ عالم الشعر، ومتى اشتعل القلم بلهيب الروح ؟
الحديثُ عن بداياتي مع الكلمةِ المُندَّاةِ بالشِّعرِ، يَهزُّ ذاكرتي ويُرجِفُها حنيناً ورغبةً في زمنِ اليفاعةِ والشَّبابِ الأوَّلِ، حيثُ الانسراحاتُ الحالماتُ بأمداء مفتوحةٍ على عوالمَ خاليةٍ من الهَمِّ السياسي والاجتماعي، ومقاربةٍ لرغابِ النَّفسِ وتَشَهِياتها التي لا تعرفُ الكَدَرَ، وتصطبغُ بروحٍ طفوليٍّ موشَّىً بما يُشبهُ البلُّورَ اللَّامعَ تحتَ أشعِّةِ الشَّمسِ، والمُغَسَّلَ من الأدرانِ والأغبرةِ القاسية.
كانَ ذلكَ في العام1978م، وكانَ لي من العمرَ آنذاك ثلاثة عشرة ربيعاً، حينَ بدأت تداهمُني رغبةٌ لذيدةٌ في عناقِ الحرفِ والتَّسلُّحِ بالكَلِمِ المُحاكي للشِّعر.
أتذكرُ أنَّني كنتُ في بدايةِ المرحلةِ التَّعليميَّةِ المُتوسطةِ، حينَ بدأتُ صداقتي معَ القلمِ في تجلِّياتهِ النَّابضةِ، والمُبْحِرةِ نحوَ الشِّعر؛ وللأمانةِ، أقولُ بأنَّ الذي كتبتُهُ ورسمتُهُ بالحُروفِ والكلماتِ، لم يكن شعراً وَفقَ قواعدِ الكتابةِ الشِّعريَّة، لكنَّهُ كانَ يسيرُ في الطريقِ الموصلةِ إلى الشِّعر؛ وقد نضجتِ الصياغةُ في إطارِها الفنِّي في العام 1984م، حيثُ نظمتُ أولى قصائدي المُسمَّاة (قصيدتي التي لم تكتملْ) ، والتي فجَّرها في قلبي اعتقالُ نظامٍ عربيٍّ لصديقٍ لي، ما كان اقترفَ جُرماً حتَّى يُرمى ستة أشهرٍ في غَيابةِ السِّجن، وإنَّما حلَّ بهِ ما حلَّ ظُلماً وبُهتاناً وعدواناً وافتراء، فقلتُ فيه، من ضمن ما قلتُ يومَها:

"دارتْ بيَ الأيامُ فاسمعْ يا أخي
منِّي بُكائي، وامسحِ الدَّمعَ الغزيرْ
قدْ ساقني حِبْرٌ مُزيَّفٌ على
وُريقةٍ خبيثةٍ إلى الأميرْ
قالوا لهُ: ما كانَ إلَّا فاسقاً
للحُكمِ لاعنٌ، وللفوضى مُثيرْ
يبثُّ بينَ النَّاسِ قولاً قاتلاً
لا يرعوي عن جَهلِهِ، لا يستنيرْ
قلنا لهُ: إنَّ الرَّئيسَ تاجُنا
فردَّ: بئسَ التَّاجُ، تاجُكمْ بعيرْ
مَطيَّةٌ للغربِ في بلادِنا
مهما تَمادى، إنَّ مأواهُ السَّعيرْ".

مُذَّاكَ، والقلمُ مُشتعلٌ بلهيبِ الرُّوح، ومُنتشٍ بسُلافِها، ومتجوِّلٌ في أرجاءِ الألمِ والأمل؛ ويُدوِّنُ نثراً أو ما يُمكنُ نسبتُهُ إلى الشِّعر، إلى أنْ نضجتْ فنِّياً قواعدُ البناءِ الشِّعري لديَّ مطلعَ تسعينيَّاتِ القرنِ الماضي، وأنا في دائرةِ التَّحصيلِ الجامعي لإجازتي في اللَّغةِ العربيَّةِ وآدابها.
*الشاعر مروان الخطيب واحد من أبناء الشتات الفلسطيني،عندما تكتب الشعر، هل تشعر بالإغتراب النفسي والحنين للإنتماء الحسي لتكتمل الصورة الشعرية لديك؟
ثمَّةَ مفرداتٌ ملازماتٌ في مضمونِها الحِسِّي لعمليةِ البناءِ والتَّشكلِ الشِّعري. فالغربةُ، الحُزنُ، المُعاناةُ، الظُّلمُ، التَّشردُ، اللُّجوءُ، القهرُ، وسواها من الكلمات في هذا الحقلِ المُعجمي؛ تُبرزُ أعياناً معنويَّةً تُفجِّرُ فيمن أوتيَ موهبةَ الشِّعرِ جداولَ الكلامِ المموسق. وفي هذا السِّياق، يحضرُني ما قالَهُ الشَّاعر والأكاديميُّ اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح، وهو يُجيبُ على سؤالٍ صحفيِّ حول العاملِ الذي جعلَ منهُ شاعراً: " إنْ صحَّ أنَّني شاعرٌ، فالفضلُ يعودُ لنهرِ الحُزنِ الذي اغتسلتُ فيهِ باكراً". وفي المقامِ نفسِهِ، أقولُ : إنَّ الغربةَ معادلٌ طبيعيٌّ للحُزنِ، وهي بالتَّالي من العواملِ التي أدخلتني سماءَ الشِّعرِ، وجعلتني أمتاحُ قطوفاً من أنجمها، وأكتوي بشُهبِها، ما جعلَ شعري ممُمزَّقَ الوجنتينَ بينَ الآلآمِ والآمال، ومُبحراً في مراقي الأتواقِ والتَّشهياتِ التي ترنو إلى فجرِ فلسطين محرَّرةً من دنسِ الاحتلال، وإلى عُرسِ الأمَّةِ وهي تُزغردُ ابتهاجاً بسيادةِ عدلِ السَّماءِ على الأرض. وهنا لا بُدَّ من الاشارةِ إلى أنَّ الشَّتاتَ، قهرٌ وحُزنٌ وغُربةٌ قاحلة، وهو مُؤسِّسٌ موضوعيٌّ من جملةِ المُؤسِّسَاتِ التي بعثتْ فينا الصَّوتَ الشِّعريَّ هادراً، وناشداً من أجلِ التَّحريرِ والانتصار؛ ومن أجلِ الخُروجِ من زمنِ التَّردي والانحطاط؛ ما أدَّى إلى أن تأتيَ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ في نتاجِنا مُضرَّجةً بالأحمرِ والأرجوان، وحالمةً بالأخضرِ والبيلسان، ومثقلةً بعبءِ الأسودِ والرَّمادي.
*هل يشعر مروان الخطيب ان الأفق لديه في بعض الاحيان يكون مقفلاً كالسياج الشائك حول المخيم، أو أن الكلمات تضيع أحيانا، تماماً كما يضيع الحلم الفلسطيني في مخيمات لبنان ؟
- الجوابُ على هذا السُّؤال، مُتعِبٌ وشاق!. لا بُدَّ من القول بأنَّ ثقافةَ سايكس- بيكو المُعَشِّشةَ في عقولِ الكثيرِ من السَّاسةِ في أرضِ الشّتاتِ واللُّجوءِ، حيثُ نحيا ونُقيم، تبعثُ فينا ما يُحاكي اليأسَ؛ لكنَّ إرادةَ النِّضالِ والكفاحِ، تجعلنُنا في المُقابل، نعيشُ لذَّةَ الارتباطِ بالحُلمِ، وتجعلُنا نقوى على كُلِّ الجِراحِ، ونسمو بقناعاتِنا في دائرةِ الدَّيمومةِ والاستمراريَّةِ، وبالتَّالي، ليسَ أمامَ أصحابِ القضايا العادلةِ والمُحِقَّةِ، سوى خيارِ الانتماءِ إلى ثقافةِ الشَّمسِ والعدلِ والثَّبات؛ وهذا يُملي علينا ويوجبُ أن ننزاحَ إلى مضمونِ مفاهيمنا العَقَديَّةِ والحَضاريَّة، وأنْ نُكافحَ على جبهاتٍ عدَّةٍ: جبهةِ الحقِّ السَّليبِ، الذي لا بُدَّ من استرجاعِهِ، وجبهةِ تحريرِ الأُمَّةِ من أفكارِ التَّجزئةِ التي أسَّستْ لها في عُقولِ أبنائها، عواملُ الغزو الثقافي والحضاري الذي تعرَّضتْ لهُ منطقتُنا على مدى أكثر من ثلاثةِ قُرون. وعليه، أرى أنَّ شُعورَنا بالظُّلمِ والحيفِ، يُحيطُ بنا أسلاكاً شائكةً، وكُوَمَاً من قهرٍ مُضْنِك، ينبغي أنْ يشحنَ طاقاتِنا الثَّقافيَّةَ بمفاعيل، تُمِّكنُ لنا سُبلَ سيرِنا فوقَ الأشواكِ والأشراكِ، وتُلزمنا بالثَّباتِ الآسيِّ والسِّندياني، من دونِ الانزلاقِ إلى
المهاوي التي يرغبُ فيها عدوُّنا أن نصيرَ إلى وِهادِها بلا نبضٍ ومن دونِ حراك...!.
*تقول في ديوان "المتنبي متوجعاً":" منذ زمن الطفولة، يتنازعني شوقان: شوق إلى عينيها، وشوق آخر إلى المخيم!.. المخيم وما أدراك ما المخيم....، ماذا يعني لك الإنتماء للمخيم، وكيف انعكست تجليات أزمة مخيم البارد على انتاجك الشعري والأدبي ؟
لا شكَّ في أنَّ المُخيَّمَ يُمَثِّلُ انفتاحاً على واقعِ لُجوئنا وقضِّتنا بوصفها قضيَّة سياسيَّة وإنسانيَّة، وهو بذلك صورةٌ للوطنِ المؤجَّل من حيثُ تلكَ الأبعاد، ومن حيث معاني الودِّ والألفة والتَّعاضد، ومن حيثُ ما يُشكِّلُهُ هذا النَّسيجُ الاجتماعي من آياتِ التَّلاحُمِ والتَّناصر. فالمُخيم، الذي عشنا ونشأنا وتربَّينا في بيوتِهِ وحاراتِهِ وزواريبِه، وفي مدارسِهِ وفُسَحِ أحلامِهِ وأشواقِهِ؛ هو بكلِّ تأكيد، رَجعٌ لثقافةِ أهليِهِ وساكنيه. لذا أرى الانتماءَ إلى المُخيم، انتماء لحقيقةِ وجَوهرِ هُويَّتنا الفكريَّةِ والاجتماعيَّة والحضاريَّة، وليسَ انتماءً إلى الجُغرافيا السِّياسيَّةِ بمعناها الضَّيق أو العُنصري!. وهذا إن كانَ يؤكِّدُ أمراً، فلا يؤكِّدُ إلَّا ارتباطَ الماهية الحقيقيَّة لمفهومِ المُخيَّمِ بفكرِ الأُمَّةِ، وبالمنظومةِ النِّضاليَّةِ والكفاحيَّةِ التي احتضنتْ أبعادُها أبناءَهُ، في سياقِ الدِّفاعِ عن قضيَّتِهم الفلسطينيَّةِ بوصفها قضيَّة أمَّة، وليستْ قضيَّة شعب فلسطين وحسب. من هُنا كانْ ما حلَّ في مخيم النَّهر البارد عام 2007م من تدميرٍ قاحلٍ وماحل، ذا أثرٍ سوداويٍّ كبير على شعبهِ وأهليه، لأنَّ صورةَ فلسطين كانتْ تُؤدي الصَّلواتِ الخمس فيه كلَّ يوم؛ وبالتالي، ما كانَ خوفنا على ضياعِ المُخيم، سوى صورةٍ عن خوفنا من ضياعِ فلسطين مرَّةً ثانية. وهذا تجلَّى في أدائي الأدبيِّ شعراً ونثراً، وجعلَ دفاعي عن الانتماءِ إلى النهرِ البارد، من بابِ الدِّفاعِ عن حقِّنا السَّليب في فلسطين المُغتَصبة، ومن بابِ رفضِ استئصالِ شأفةِ المخيم، تمسُّكاً بحقِّ أهلينا وأُمَّتنا في استرجاع فلسطين من أعدائها السَّالبينَ لها، ومن بابِ التَّأكيد على انتمائنا إلى الهُويَّةِ الحضاريَّةِ الواحدة. لذا كانتْ أول صرخةٍ أدبيَّةٍ لي في أثناءِ أزمةِ البارد:(أعيدي إليَّ مخيمي وذاكرتي...!)؛ وهُنا يُطرحُ السُّؤالُ التَّالي: هل يستطيعُ الإنسانُ العيشَ من دونِ ذاكرة...؟!.
*كتبت في ديوانك (المتنبي...متوجِّعاً) عدة قصائد لغزة وهي تحت الحصار منها "عن ذبح الفراشات"، و"لاتنتظري نهراً ينبع من قهوتنا"، ماذا توجه لغزة الآن وهي تعيش فرحة الانتصار؟
قدْ يطولُ الكلامُ في مدارجِ الانتصارِ والمجدِ والفَخار؛ لكنِّني أقولُ لأهلي البواسلِ والصَّناديد في غزَّةَ وثُغورِها: أنتمُ الجبينُ الأعلى فينا، فاصمدوا، وعيشوا انتصارَكمُ العسكريَّ فجراً سياسيَّاً مُصَّاعِداً إلى معارجِ العِزَّةِ والفجرِ العتيدِ الحالمِ بتحريرِ فلسطينَ من بحرِها إلى نهرها!.
أنتُمُ أهلُ الرباطِ والثَّبات، وأحفادُ هاشم بن عبد المطلب بنِ عبدِ مناف، والعنوانُ الأشهى في كتابِ علَّامتنا وفقيهِنا الأكبر محمَّد بن إدريس الشَّافعي، وأنتمُ الواقعُ الشَّامخُ المعانقُ غزَّة الهازمة غُزاة الفراعنة والرَّومان وبيزنطية، وقد أعدتُم إلينا سيرةَ أجنادين وعمرو بن العاص؛ فارفعوا الهاماتِ إلى مرابعِ الشَّمسِ وعَنانِ السَّماء؛ وأنتمُ البقعةُ المضيئةُ في أيامنِنا السَّوداء، فانفتحوا علينا مراقيَ للانتصارِ الأكبر!؛ وإليكمُ أرفعُ هذا النِّداء:

"أَبناءَ قومي الصَّاعدينَ إلى الصَّباحْ،
الكاتبينَ حُروفَ شَوقٍ للفلاحْ...!،
لا تَصغُروا،
فالنَّجمُ في كَنَفِ الهِدايةِ،
والسَّواقي الخُضْرِ،
لاحْ...!،
هذا كِفاحْ...!؛
لا تسمحوا،
لليأسِ يبني عِهنَهُ المَنفوشَ،
في أَلَقِ السَّماءْ،
في حُلْمِنا الفِضيِّ،
في مَجدِ المَعالي والسَّخاءْ،
فَدماؤنا أَغلى وأَعلى،
من بُيوتِ العَنكبوتْ...!،
لا، لَنْ نَموتْ،
في جَعْبَةِ الخِذلانِ،
في كَهْفِ الهُراءْ...!".

* في مجموعتك الشعرية "صهيل الأرجوان"، تنوعت عناوين قصائدك فعبرت عن آلام شعبك وآمالها، بأسلوب واضح وبحرفية كبيرة يخلو من التعقيد، برأيك إلى أي درجة يستطيع الشاعر أن يتماهى مع قصائده فتصبح موسومة باسمه ؟
ثمَّةَ مقولةٌ في مدرسةِ النَّقد الأدبي الفرنسي، مفادُها: "الكاتبُ هو الأسلوب". لعلَّ حقيقة هذه المقولة وواقعَها، ينطبقانِ على واقعِ مجملِ الرؤى النَّقدية لهذه المسألةِ، في كلِّ آدابِ أهل الأرض. وواقعُ الأمرِ والحالِ، يقررُ أنَّ أيَّ شاعرٍ أو أديب، ينبغي لهُ أنْ يمتلكَ لنفسِهِ هُويَّةً أسلوبيَّةً خاصَّةً به، فيقالُ: هذه القصيدة ممهورةٌ بأُسلوبِ محمود درويش، وتلكَ تحملُ بصماتِ أسلوب نزار قبَّاني، والثَّالةُ تسيرُ في المنحى الأُسلوبيِّ لمُحمَّد مهدي الجواهري، وهكذا...!.
وحتَى يكتبَ ويُبدعَ الشَّاعرُ بما لا يجعلُ قصائدَهُ صدىً ورَجعاً لغيرهِ من الشُّعراء؛ أرى أنَّهُ يتوجَّبُ عليه،- وهو الإنسان الذي حباهُ اللهُ تعالى موهبةَ الشِّعرِ -، أنْ يتوسَّعَ في مطالعاتِهِ وقراءاتِهِ الشِّعريَّة، وكذلكَ في مجملِ النتاجاتِ الأدبيَّةِ والعُلومِ الإنسانيَّة، وأنْ يكونَ في تَماسٍ يوميٍّ مع قضايا أهليهِ وأُمَّتِهِ، بل أكثر من ذلك، أن يمتلكَ رُوْحاً مُسْتَغرِقاً في إنسانيَّةٍ فيَّاضةٍ على معنى الوجودِ الإنسانيِّ على الأرض؛ وبعد ذلك يعيشُ تجاربَهُ في مستوى إشباعِ طاقتِهِ الحيويَّة، في مجاليها العُضوي والغريزي؛ ثُمَّ يكتبُ ما يعيشُهُ في دائرتِهِ الحسِّيةِ والانفعاليَّة، ووَفْقَ قناعاتِهِ ورؤاهُ العقليَّةِ والفكريَّة. وإذَّاكَ أزعمُ بأنَّ هذا الشَّاعر قد عاشَ جوهرَ نَفسِهِ وثقافتِهِ في نتاجِهِ وإبداعِه، وتماهى مع مُكَوِّناتِ أعماقِهِ الواعيةِ واللَّاواعية، فلم يكنْ إلَّا هو نفسهُ، ولم يستَعرْ نَفسَ غيرِهِ، ويُبرزها في إبداعِهِ وعطائه الشِّعري والأدبي!.
*لماذا"الصُّعُودُ إلى بِلقيس"، ومالذي تريد أن تقوله من خلال تلك التسمية؟
لكُلِّ مولدٍ اسم، وديواني الشِّعري الرَّابع (الصُّعودُ إلى بِلقيس)، جريتُ في اختيارِ تسميتِهِ، مجرى تسميةِ الآباءِ أبناءَهم بأجملِ وأبهى الأسماءِ والتَّحاليق، وهنا، أزعمُ بأنِّي اخترتُ لديواني إسماً يحملُ دلالاتِ الارتقاءِ والضَّوء، وما يحتملُهُ هذان العنوان من المعاني العالية والكبيرة؛ والمطلوب منَّا، أن نُترجمَ جوهرَها الأدبيَّ والمَعنويَّ، أداءً سياسيَّاً عاليَ الهِمَّةِ في معتركاتِ الكفاحِ والنِّضال، وفي مستوى سُلوكاتِنا الاجتماعيَّة، وصولاً إلى ترجمةِ مفهومِ الصُّعودِ الارتقائي عملانيَّاً في أرضِ سعينا اليوميِّ، ووصولاً إلى مُحاكاةِ رمزيَّةِ سيِّدتنا بِلقيس المُترعةِ بالحِكمةِ وجماليَّةِ الحياةِ في كنفِ النُّبواتِ، وفي ظلالِ معانقةِ الأرض رسالاتِ خالقِ السَّماءِ والأكوان!.
*يقول الشاعر" محمد مهدي الجواهري" بأن الشعر تشرب من عيوني ... قوافيه، وتأكل من فؤادي، إلى أي مدى تؤمن بهذا البيت وكيف انعكس ذلك على نظمك للشعر ؟.
كتبت في مقدمة ديواني (صهيلُ الأرجوان) المُعَنونةِ بِ (عن الشِّعر) كلاميَ مُفصَّلاً في رؤيايَ حقيقة الشِّعر، وانحيازي إلى مقولةِ "أعذبُ الشِّعرِ أصدقُهُ". أؤمنُ بأنَّ القصيدةَ الفاعلةَ والنَّابضةَ، هي تلكَ التي تكتبُ شاعرَها، وتفرضُ رِحابَها وروحَها وحُروفَها الآسرةَ عليه؛ وبالتَّالي، تكونُ ولادةُ الشِّعرِ والقصيدِ ناتجاً طبيعيَّاً لصدقِ الأحاسيس والمشاعرِ والتَّجربةِ، في أسيقتِها الذاتيَّةِ، السياسيَّة، والاجتماعيَّة؛ وغيرُ ذلكَ يكونُ صناعةً، قد تحتملُ جماليَّةَ المظهرِ والصُّورةِ؛ لكنَّها بالتَّأكيد، لن ترسخَ في القلبِ والجَنانِ، رُسوخَ الشِّعرِ الصَّاهلِ باحتراقِ الذات في لهيبِ المعاناةِ الوجدانيَّةِ، أو ما شاكلها ممَّا يطالُ المًكوِّن النَّفسي في ساحِ الجِبِلَّةِ الآدميَّة. ولعلَّ ما قالَهُ شاعرُنا وفقيهُنا البغدادي جميل صدقي الزِّهاوي، في هذا المجال، يختصرُ كُلَّ ما أشرتُ إليه وقلتُهُ في هذا الشَّأن. يقولُ – رحمَهُ اللهُ تعالى- :

" لقدْ قَرَضَ الشِّعرَ الكثيرونَ في الورى...........وأكثرُهُ ما فيهِ رُوْحٌ ولا فِكرُ
إذا الشِّعرُ لمْ يَهْزُزْكَ حينَ سَماعِهِ...........فليسَ خَليقاً أنْ يُقالَ لهُ شِعْرُ

*ماذا عن طغيان الهم الفكري والفلسفي في معظم قصائدك؟.
منذُ إصداري الشِّعري الأوَّل قلتُ لمحاوري من صحيفة (التَّمدن ) الطرابلسيَّة، في مجال الإجابةِ على سؤالٍ وجَّهَهُ إليّ: الشِّعرُ في خدمةِ الفكر. وهُنا أقولُ أيضاً: لو عُدنا إلى ( العقد الفريد ) لأبي عُمر عبد ربِّه الأندلسيّ، وإلى غيرهِ من أُمَّهاتِ كُتبنا التُّراثيَّةِ في النَّقد والأدب، لقرأنا ما نُقلَ عن العديدِ من مُفكِّرينا العُظماءِ آنذاك، وما دُوِّنَ منقولاً عن الخليفةِ الأُمويِّ عبد الملك بن مروان، من قولِهِ لِمؤدِّبِ أولادِه، والذي جاءَ فيه: " رَوِّهم الشِّعرَ، يَمجُدوا وينجدوا"(ينجدون: يكونون شُجعاناً، ماضينَ في ما يُعْجِزُ غَيرَهم). هُنا بيتُ القصيدِ الذي أسعى إلى بيانِهِ، وأرغبُ فيهِ توأماً للشِّعر؛ والذي يتمحورُ حولَ رساليَّةِ الكلمةِ المموسقةِ والقصيد، وصولاً إلى أنْ نجعلَ من الشِّعرِ حارساً أميناً لمنظومةِ قيمنا، وسائراً رديفاً في طريقِ الكلمةِ الواعيةِ والمسؤولة.
*من نهر البارد إلى النيرب ، كتبت عن الوطن في تفاصيل مخيم ، أخبرنا عن قصيدتك التي اختيرت في ديوان العودة ضمن 100 قصيدة من الشعر العربي في هذا الموضوع .

"...، أخبريني ،
لو رَجَعْتُ اليومَ ،
هل ألقى سمائي ،
والفراشاتِ الجميلهْ …
أخبريني … أخبريني ،
عن زواريبِ المخيمْ ،
سَمِنَتْ أَمْ ،
هيَ ما زالتْ ،
مِنَ الوَجْدِ نحيلهْ...!".

ذلكَ مقطعٌ من القصيدةِ المُشارِ إليها، ويختصرُ مضمونَها وفكرتَها. القارىء لهذه القصيدة (أخبريني عن زواريبِ المُخيَّم...!)، سيقفُ على هذا النَّمطِ من الاسفهامِ ذي القيمةِ البلاغيَّةِ المُبحرةِ نحوَ الوطنِ السَّليبِ، وضرورةِ التَّمسكِ بهِ، سعياً لتحريرِهِ والعودةِ إليه، ويلمسُ ببناتِ أفكارِهِ وخفقِهِ، تلكَ الدَّعوةَ الضِّمنيَّة، لأنْ يبقى المخيمُ معبراً إلى الحُلمِ الأشهى في فلسطينَ، وليسَ بديلاً عنها بأيِّ حالٍ منَ الأحوال!.
* أي الدواوين الشعرية أحب إليك، وهل بإمكانك أن تسمعنا منها أكثر الأبيات تشعر بأنها أقرب إليك وتعبر عما جال من مكنونات النفس عندك؟
دواويني كقصائدي، وقصائدي كأبنائي. عندَ هذا الحدِّ، ليسَ ثمَّةَ من مجالٍ للمفاضلةِ؛ وهذا حُكمُ القلبِ والعقلِ معاً. ويبقى في الأمرِ، أنَّ هناكَ قصائدَ ذاتَ وقعٍ خاصٍّ في النَّفس، وتُلامسُ شَغافَ الفؤادِ والوجدانِ والجِبِلَّةِ بمضمونِها الفكريِّ وبمؤدَّاها الانفعالي. وهنا تحضرني قصيدةُ "صهيلُ الأُرجوان" من ديواني الأوَّل، والتي نزفتُها يومَ استشهاد الطِّفل (مُحمَّد الدُّرة) في حِضنِ أبيه على تلكَ الصُّورةِ الطَّافحةِ بتراجيديا مُبْكيةٍ إلى حدِّ الإغشاءِ الحُزنيّ؛ وقد قلتُ في مقطعِها الأَوَّل ما تضمَّنَ التَّغني في الشُّهداء وفي قداسةِ المكانِ الذي نُجاهدُ ونناضلُ لاسترجاعِهِ وتحريره:

أَلَقُ البَنَفْسَجِ،”
في دُروبِ الأُرْجُوانْ،
ومدينةُ الفَجْرِ الأَبِيِّ،
تَجَلْبَبَتْ بالماوراءْ،
كَأْسٌ مُعَتَّقَةُ النّجيعِ،
هُنا، هناكَ ولا تزولْ،
وَسُلافُها مِنْ قِمَّةِ الفِرْدَوْسِ يَدْنو كالصّهيلْ،
أَلَقُ البَنَفْسَجِ يَحْتَوينا،
قُبّراتٍ، زَنْزَلَخْتاً، شارَةً سِحْرِيَّةً،
وَنَدىً وماءْ،
أَلَقُ البَنَفْسَجِ،
سِرُّ أسرارِ السّماءْ،
وَدَمٌ يُسافِرُ ، والأمامُ بلا وَراءْ !.
****
يَتَفَيّأونَ السِّنْديانَ،
وَيَرْحلونْ،
اللاّ مكانُ هُوَ المكانْ،
اللاّ زمانُ هُوَ الزمانْ،
واللاّزَوَرْدُ مَدىً تَقَمَصَّهُ الفَضاءْ،
والكَهْرَمانْ،
لَوْنُ الحقيقةِ في الهواءْ،
وَدَمٌ هنا ، وَدَمٌ هناكَ،
وَمَنْ سِواكَ سَيَفْرُشُ المَيْدانَ في عُرْسِ الرَّسولْ،
يَتَزاحَمونَ إلى الشّهادَهْ،
وَيُراقِصونَ السَّيْفَ والأَصْفادَ والنّيرانَ،
مِنْ أَجْلِ الوِلادَهْ،
وَيُجابِهُونَ العَسْفَ والطّاغوتَ،
كَيْ تَفْنى الإبادَهْ،
مِنْ سِفْرِهِمْ، مِنْ جُرْحِهِمْ،
عَرَجُوا إلى المَلكوتِ،
لَمْ يَتَراجعوا حِيْنَ السُّباتُ المُرُّ قَدْ غَطّى،
المدائِنَ والعواصِمَ والسّبيلْ،
كالمُسْتَحيلْ،
بَرَزوا فراشاتٍ تُغَنّي للقَرَنْفُلِ،
ثُمَّ تَعْلو، ثُمَّ تَعْلو،
ثُمَّ تَجْثُو للعبادهْ".

*تعدَّدت لغة الشعر في واقعنا الحالي وثمة ما يشبه الصراع بين القديم والحديث لأي شعر ينتصر مروان الخطيب ؟
في الشِّعر، يقفُ القلبُ والرُّوعُ مصطَفَّيْنِ إلى جانبِ النَّبضِ والصِّدقِ والإحساسِ والإبداع. وعليهِ أقولُ بأنَّ معياريَّةَ الجمالِ في الشِّعر، من حيثُ المؤشراتُ السَّالفةُ الذِّكر، هي التي تجعلُنا ننحازُ إلى النَّمطِ الذي ارتدتْ لبوسَهُ القصيدة وقتَ ولادتِها، بصرفِ النَّظرِ إنْ كانتْ قصيدةَ تفعيلة، أو قصيدةً كلاسيكيَّة؛ وهذا انحيازٌ للجوهرِ لا للمظهر. والأمرُ الأهمُّ، هو أنْ يبقى الشِّعرُ شِعراً والنَّثرُ نثراً، بمعنى لزوم المحافظةِ على الهيكل الذي يقومُ لَحمُ القصيدةِ عليه في المُستوى الإيقاعي، وفي المُنتهى الغائيِّ، ذيَّاكَ المُرتقي بهذا الفن إلى مصاف الفكرة العميقة والمُستنيرة، وذات الحُضورِ البارزِ في رفعِ مستوى الخفقِ الإنسانيِّ على الأرض إلى فحوى السَّماءِ وجماليَّتِها...!.
*يذهب البعض إلى أن أهم ما يميز الشعر الحديث كونه لا يأبه بالمواصفات ولا بالأعراف ولا بالقيم الاجتماعية والفلسفية. لا سيما بعد نكسة حزيران (يونيو) 1967 فقد أسقط من حسابه كل القيم... ما قولك في هذا؟
ربُّما كانَ في هذه المسألة تعقيداتٌ وحيثيَّاتٌ يعودُ تاريخُها إلى ما قبل نكسةِ حُزيران من عام 1967م. والمُدَقِّقُ في هذا الأمرِ، يرى أنَّ ثمَّةَ حركةً للتجديدِ المُتحرِّرِ من كلِّ قواعد الشِّعرِ العربي، قد قامتْ في أواخرِ خمسينيَّاتِ القرنِ الماضي وبرزتْ في أوائلِ ستِّينياتهِ مع مجلةِ (شعر) ورموزها اللَّامعين أمثال أدونيس ويوسف الخال، وسواهما، الذينَ نادوا بحداثةٍ خارجةٍ حتَّى على موروثِ الإيقاعِ والتَّفعيلات في شعرنا العربي. وفي هذه المرحلةِ سمعنا ورأينا مَنْ ينادي بوجوبِ السَّيرِ في رِكابِ قصيدةِ النَّثر. وهنا، لا بُدَّ من تسجيلِ موقف أراهُ في سياقِهِ الفكريِّ، ويذهبُ إلى الجوهر وإلى الدَّافع الأساس القائم خلفَ هذه الحركةِ التجديديَّة. ومن بابِ وضعِ النقاطِ فوقَ الحروف، أقول: مَنْ عادَ إلى أرشيف برنامج (خليك بالبيت) الذي كانَ يقدِّمُهُ على شاشةِ تلفزيون المستقبل اللبناني، الإعلامي زاهي وهبي، وشاهدَ الحلقة التي أستضافَ فيها الأخير الشَّاعر أدونيس، وأنصتَ إلى إجابتِهِ على سؤال وهبي حولَ واقع الحداثة الشعريَّة في بلادنا، سيسمعُ من الشَّاعر أدونيس نعياً لهذه الحداثة، بسبب أنَّ مرجعيَّةَ التَّفكيرِ لدينا، مازالتْ تعتمدُ على جعلِ وجودِ الله(سبحانهُ) المُرتَكزَ والمُنطَلَق!. وهناكَ عاملٌ آخرُ قد يكونَ سبباً آخرَ للجانبِ المُعْتمِ في هذه الحداثة؛ وهو مرتكزٌ إلى الفكرةِ التي قررها وأوردها ابنُ خلدون في مُقدمته، والتي تقولُ بِ"ولع المغلوبِ في تقليدِ الغالب". بناءً على ما تقدَّمَ أقولُ بأنَّ ديدنَ مَنْ وقعوا في أشراكِ الآخر- النقيضِ فكريَّاً، هذا هو دأبُهم، لكنَّهُ لا يُزيلُ من مشهدِنا الشِّعريِّ، تلكَ المعالمَ المُضيئةَ من الشِّعرِ المُلْتَزمِ والمُقاوِمِ، والتي مثَّلَها شعراءُ فلسطينَ المُعاصرونَ وسواهم من شعراءِ سوريا ولبنان ومصر والعراق...إلخ.
* يقول أحد النقاد:" إن تجربة الشاعر مروان الخطيب تجربة غنية بالمفارقات المدهشة، والتضاد المتحرك باتجاهات الشعر كافة، وصورته عميقة كجرحه، لذا تأثرت القصيدة بحركة الجرح صعوداً ونزولاً واستقراراً عند حافة الشعر، وختاماً فالتجربة ممكنة القراءة والقبول والتمتع في غالبية قصائدها النازفة، والمعبرة بعمق جرحها وصدقها وتنوعها الذي منحها تلك الحيوية المؤثرة، ماذا يقول مروان الخطيب عن تجربته الشعرية ؟
الشَّاعرُ ليسَ مُخَوَّلاً أن ينقدَ تجربتَهُ في مجالِ الإبداعِ والقصيد، وهذا الأمرُ متروكٌ لأهلِ النَّقد. وليسَ امامي هُنا سوى أنْ اشكرَ للأستاذ النَّاقد محمود حامد، هذا الرأيَ الذي قدَّمهُ وكتبَهُ في شعري، وإذا كانَ لي من كلمةٍ في هذا الشَّأن، وخارجَ الخطابِ النَّقدي، فإنِّي أزعمُ بأنَّ قصائدي كأولادي، تحملُ جيناتي الفكريَّة والمعنويَّة، وتناضلُ وتكافحُ من أجلِ إعادةِ الحقِّ الذي سُلبَ منَّا كأهلِ فلسطين، وكأُمَّةٍ إسلاميَّة؛ وتطرقُ في أحايين عديدةً، أبوابَ الفكرِ رُغمَ الطبيعةِ الغنائيَّةِ والانفعاليَّة للأداءِ الشِّعري.
*كتاب"وجع الذاكرة" نصوص، و"رحيق المداد" دراسات في الأدب، ماذا عنهما، وهل أنت مع التخصص أم مع أن يطرق الأديب كافة أنواع الأدب .
لا بُدَّ من الإشارةِ إلى أنَّ كتابيَّ: (وجعُ الذاكرة...!) و(رحيقُ المِداد) هما نتاجان أدبيَّان يسيران في السَّبيلِ ذاتِها التي اختطَّها شِعري، من حيثُ الغائيَّة والمُنتهى. الأوَّلُ يضمُّ بينَ دفتيه العديدَ من النُّصوص الأدبيَّة، والتي تُحاكي في جوهرِها وفي بعضِ مظاهِرِها تجربتي الشِّعريَّة، ولهُ نكهةٌ خاصَّةٌ تستقي رُحاقَها من مأساةِ النَّهر البارد، وتستطيلُ في الطَّيرانِ والاصطفاقِ فوقَ كلِّ الجِراحِ التي حلَّت بالأمَّة، وتُبشِّرُ بذيَّاكَ الآتي انتصاراً وفجراً عتيداً، وعدلاً من السَّماءِ ينسرحُ أخضرَ وبُرقوقاً وآساً في رُبوعِ فلسطينِنا المُحَرَّرةِ بإذن اللهِ تعالى، وفي كُلِّ بِقاعِ أُمَّتِنا من جاكرتا إلى طنجة!. أمَّا (رحيقُ المِداد)، فهو مجموعةٌ من الدراساتِ والمقالاتِ النَّقديَّةِ والأدبيَّة، التي سبقَ لي أنْ نشرتُها في العديدِ من الصُّحفِ والدورياتِ العربيَّةِ الثقافيَّة، حيثُ ركَّزتُ فيه على النَّماذج ذاتِ القيمةِ الفكريَّةِ العالية، أو الاجتماعيَّةِ السَّامية؛ وللأدبِ المُقاومِ فيهِ نصيبٌ وافر.
أمَّا فيما يتعلَّق بالإجابةِ على الشّقِ الآخرِ من السُّؤال، فأنا لستُ مُتحازاً للونٍ أدبيٍّ دونَ لونٍ آخر، وإنَّما انحيازي للمهارةِ الفنيَّةِ وللهدفِ الرَّاقي الكامن في الأداءِ الإبداعي شعراً كانَ أو نثراً، نصَّاً أو نقداً أدبيَّا...!.
* هل أنت راضِ عن العلاقة بين المثقف والسياسي في الساحة الفلسطينية على مستوى الحراك والدور والإطار؟ وأين الثقافة الفلسطينية بمؤسساتها الرسمية اليوم.
الكلامُ على الثقافةِ والسياسةِ في بلادنا، هو كلامٌ ذو شُجون. وفي الإطارِ العام، وبعيداً عن تسليطِ الضَّوء على الحالةِ الفلسطينيَّة، أقولُ بأنَّ الثقافةَ هي السِّياجُ الحامي للسِّياسةِ من التَّدهورِ والانزلاق. وواجبُ المُثقَّفِ بما تحتملُهُ معاني الثقافةِ من دلالاتِ الحذقِ في العُلومِ والمعارفِ والفنون، أنْ يكونَ حارساً أميناً على اداءِ السياسين، فإن هُمُ خانوا، فيسعى إلى التغييرِ والثورةِ عليهم، وإن هُمُ صانوا عهدَ السَّماءِ على الأرض، اندفعَ أمامَهم منافحاً، حارساً، وحامياً أداءَهم من الكبو والتَّعثر. أمَّا في الذي يتعلَّقُ بالمؤسساتِ الرسميَّةِ للثقافةِ الفلسطينيَّة، فإنَّ الغيابَ ورُبما المُواتَ، يكونان العنوانَ الأوحد لواقعِ هذه المؤسسات!.
* كيف تقرأ الوضع الثقافي الفلسطيني مؤسسياً ؟ وهل هو في المستوى المأمول ؟
لا يُمكنُ لنا أنْ نتكلمَ بخطابِ مسمولي الأعينِ أمامَ المشهد الثقافي الفلسطيني!. فقد سبقَ وأشرتُ إلى مسألةِ غيابِ المؤسسات الثقافيَّة الرَّسمية عن دائرةِ الفعلِ. ولعلَّ أبرزَ سماتِ هذا الغياب، تتجلَّى في انعدامِ وجود السياسة الراعية للإبداع، وغيابِ الخطط العملية، والتي من شأنها الارتقاء بالأداء الثقافي لدى الأجيال الصَّاعدة؛ وهذا أمرٌ متوقعٌ من مرجعيَّاتٍ جعلتْ فكرةَ التعايش والسَّلام مع العدو المُغتَصب أساساً لتحرُّكها وعملِها السياسي. وحتَّى نكونَ منصفين، نقولُ بأنَّ عملَ بعض المؤسساتِ ذات الصبغة المُقاوِمة في السَّاحةِ الفلسطينيَّةِ، يُشكِّلُ كوىً يتسرَّبُ منها الضوءُ إلى المشاريعِ الثقافيةِ المؤمِّلةِ بالخيرِ والصُّعُود في واقعِنا، ونأملُ أنْ يتَّسعَ أداؤها انتشاراً وثباتاً، حتَّى نُحافظَ معاً على هُويَّتنا الثقافيَّةِ المُتمسِّكةِ بحقنا كاملاً في كُلِّ فلسطين، وحتَّى نصلَ إلى بناءِ الأجيالِ المُحصَّنةِ بثقافةِ الإباءِ، وثقافةِ الولاءِ لربِّ الأرضِ والسَّماء!.
*ما هو الطموح الشعري القادم لمروان الخطيب ؟ وما هي مشاريعه القادمة ؟
فيما يتعلَّقُ بطموحيَ الشِّعري القادم؛ فإنِّي آملُ أنْ أبقى قادراً على الموازنةِ بينَ لقمةِ عيشي وأسرتي، وبينَ إمكانيَّةِ الاقتطاعِ من مُرتَّبي كموظَّف، كي أستمرَّ في نشرِ إصداراتي الشِّعريَّة والأدبيَّة، والتي أرى فيها جانباً من عملٍ رساليٍّ ينبغي لي أنْ أحافظَ عليه، وأن أستمرَّ سائراً في طريقه!.
*اختارك بيت فلسطين للشعر شاعر العودة لشهر سبتمبر ــ أيلول /2014 ماذا يعني لك ذلك، وكيف تقيم هذه التجربة.؟
لا بُدَّ لي أنْ أوجهَ ابتداءً، التَّحيةَ من شَغافِ قلبي وسُويدائه، إلى جميعِ إخواني في (بيت فلسطين للشِّعر) وعلى رأسهم مدير البيت الأخ الشَّاعر الأستاذ سمير عطيَّة، الذينَ شَرَّفوني بهذا الاختيار، وأسعدوا فؤادي ورُوعي به. وإنِّي في المقامِ نفسِهِ، أشدُّ على أيادي أحبَّتي في هذا البيتِ الرفيع، وفي مؤسسةِ القدس للثقافة، كي نبقى معاً في دائرةِ الحرفِ المُقاوِم، والكَلِم المُعاندِ للسُّقوطِ في البازاراتِ الرَّخيصة؛ وأنْ نُعمِّقَ معاً ثقافة المقاومةِ والإباءِ في بناءِ الأجيالِ، ومن أجلِ الوصولِ إلى حُلمنا الجميل بتحرير فلسطين من نهرها إلى بحرها. كما أؤكِّدُ بأن وضعي في هذه الدائرةِ المضيئةِ بالفخر، يُشْعرني بلزومِ ووجوبِ مضاعفةِ جهودي من أجلِ كلمةٍ واعيةٍ، وشعرٍ مقاومٍ لكلِّ مشاريعِ الذبولِ والسُّقوط!.
*ما أن ينتهي الكاتب او المؤلف من خط مؤلفه حتى يهرع إلى صفحة الإهداء ليذيل عليها حروفه، برأيك لمن تقرع أجراس الذات عندما يخط المبدع إهداءه ؟
لا شكَّ في أنَّ كلماتِ الإهداء التي يخطُّها المؤلفُ على أولى صفحاتِ مُؤلَّفِهِ، ترتبطُ عُضويَّاً بمادَّتِهِ التي يسعى لنشرِها تحتَ الضوءِ والشَّمسِ، وبينَ النَّاسِ وأهلِ القُلوبِ والنُّهى...!. وعلى سبيلِ المثال، وتأكيد لما أوردتُهُ في هذا الشَّأنِ من مقال، أتذكَّرُ بأنَّي أهديتُ ديوانيَ الأوَّل (صهيلُ الأرجوان) إلى أمِّي وأبي -رحمهما اللهُ تعالى - وجاءَ في الإهداءِ لفظُ عكَّا وزيتونها وتينها، ما يؤكِّدُ الارتباطَ بثقافةِ العودةِ والانتصارِ والثبات. وفي السِّياقِ نفسِهِ أنظرُ إلى الإهداءِ الذي خطَّهُ جَناني في ديواني الرابع (الصُّعُودُ إلى بِلقيس)، والذي جاءَ فيه: " إلى بِلقيس...، الرُّؤيا، الفكرة، والحُلم"؛ حيثُ بدتْ بِلقيسُ حبيبةً وفكرةً كُلِّيةً عن الحياةِ، وكياناً سياسيَّاً، يتربَّعُ فوقَ عرشِهِ العدلُ، ويفيضُ ألقاً وحِكمة...!.
حصلت على العديد من الجوائز ماذا يعني التَّكريم لك؟
التَّكريمُ فكرة، كما الوردةُ فكرة...!؛ عنيتُ بأنِّي أنظرُ إلى فلسفتِهِ أكثرُ من نظري إلى واقِعِه الحِسِّي وأثرِهِ الماديّ. وعليه - أخي الكريم الأستاذ فايز-، أشعرُ وأنا أُكرَّمُ بوجوبِ الثباتِ والارتقاء؛ الثبات على ثقافةِ الأصالةِ والمقاومةِ، ثقافةِ عدلِ السَّماءِ معلولياً في آفاقِ الأرض، والارتقاء بالأداءِ الإبداعي جماليَّاً إلى اقصى مدىً ممكنٍ، خدمةً لثقافتنا واحتراماً لقارئنا..

*******
 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث