اليرموك ونكبة المكتبات PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم: فايز أبوعيد

اليرموك ونكبة المكتبات

بيروت
 
في مخيم اليرموك تتواصل نكبة بكل مضامينها، نكبة سياسية واجتماعية وشعبية وثقافية، تشابهت في جراحها مع أوجاع كثيرة طالت عبر سنوات طويلة مخيمات اللجوء الفلسطيني في كل أصقاع الأرض من المحطات التي أبكت وأوجعت.

في محنة اليرموك مكتبات كثيرة، سلبت، حرقت، نهبت، وتبعثرت في الشوارع. مكتباتٌ تعودُ ملكيتها لأسماء معروفة ومعلومة من مثقفي اليرموك ورواده، ومن أصحاب الفكر والقلم، وهذه النكبة دفعت الكاتب والمربي "خليل الصمادي" أن يتمنى على من يُقدِّر العلم والكتب المحافظة عما تبقى من مكتبات في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين سواء منها الخاصة أو العامة، كما شدد في (بوست) كتبه على صفحته الخاصة في مواقع التواصل الإجتماعي (الفيس بوك) على وضع تلك الكتب في المدارس أو المساجد أو المراكز الخيرية الفاعلة والاستفادة منها، حيث قال:" خير لنا و لها من أن يطهى عليها الطعام !!
كما طالب بالمحافظة على مكتبته الخاصة وإخراجها من المخيم ووضعها إن أمكن في أي مكتبة عامة أو المحافظة عليها لأن فيها عشرات الكتب النادرة والمجلات والصحف التي يعود تاريخها لأكثر من مئة عام ومنها ما طبع في فلسطين كما يوجد نسخة نادرة من القرآن الكريم طبعها السلطان عبد الحميد عام ١٨٧٥ م في استانبول.
وحول أهمية المكتبات والكتب والحفاظ عليها وخاصة أيام الحروب قال الكاتب خليل الصمادي:" لا شك أن الثقافة في مخيم اليرموك مستمدة من عدة أشياء أهمها قرب المخيم من مدينة دمشق والتي بالطبع تعد مدينة ثقافية منذ زمن بعيد أثرت بالمخيم وكذا حركة التعليم ولا سيما إنشاء العديد من مدارس الأونروا منذ نهاية خمسينات القرن الماضي إذ الارتباط وثيق بين المدارس والكتاب كما كان للمساجد العديدة في مخيم اليرموك أثر في انتشار الكتب. وكان لاستقرار الشيخ ناصر الدين الألباني في مخيم اليرموك الأثر الجيد في تشجيعه لتلاميذه على اقتناء أنواع محددة من الكتب ولا ننسى وجود العديد من التنظيمات الفلسطينية والتي ساهمت بلا شك في انتشار المجلة والكتاب والدورية وحتى المراكز الثقافية كمركز ماجد أبو شرار وغسان كنفاني ونادي جنين ومؤسسة فلسطين للثقافة وبيت فلسطين للشعر والمركز الفلسطيني للثقافة والتراث والفنون ، ومن الجدير ذكره أن وزارة الثقافة السورية أنشئت أكبر مركز ثقافي على مستوى دمشق في المخيم ، وكذا انتشرت المكتبات التي تبيع الكتب مثل مكتبة الرشيد ومكتبة الطلاب الحديثة ومكتبة اقرأ وغيرها ولعل القارئ يستغرب من وجود بضع دور نشر في المخيم نشرت العديد من الكتب وأشهرها دار الشجرة للمرحوم غسان الشهابي الذي قدم للمكتبة الفلسطينية عشرات العناوين.
وأما المكتبات الخاصة فحدث ولا حرج فهناك المئات منها ولعل أشهرها مكتبة الناقد المرحوم يوسف اليوسف ومكتبة والدي الحاج أبي سميح الصمادي ومكتبة علي خشان وعبد الوهاب مصطفى وإسماعيل الكيلاني وعلي بدوان وحمد موعد وبيت الطاهر وبيت عودة وبيت الشهابي وغيرها من مكتبات العائلات
وما حل بهذه المكتبات يندى له الجبين فالبيوت التي احترقت اول ما أوقد نارها الكتب ومكتبة صديقنا علي بدوان والتي تحتوي على أرشيف المنظمات الفلسطينية فغدت تحت الركام وأما مكتبة والدي والتي أكثر من عشرة آلاف كتاب فقد تبرع بمعظمها لأحد المعاهد الشرعية وبدمشق وأبقى لديه كل ما يتعلق بالفلسطينيات وأما مكتبتي فقد حوت على المئات من العناويين النادرة. وأثناء خروجنا من المخيم لم نهتم بنقلها كغيرنا من أصحاب المكاتب العامرة على أمل الانتهاء من الأزمة والعودة لبيوتنا ومراكزنا الثقافية ولكن يبدو أن فصل الشتاء القارس سيجعل من هذه الكتب وقوداً للتدفئة والطهي إن لم يتدارك أصحاب الشأن في رفع الحصار عن المخيم.
وبدوره رأى الدكتور والباحث علي بدوان أن نكبة المكتبات الفلسطينية (قديمة/جديدة)، فهي واحدة فرعية وجزئية من كارثة النكبات التي هوت على الشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور عام 1917 وقدوم الهجرات الكولونيالية الإستعمارية التهويدية لأرض فلسطين. وقد كانت نكبة المكتبات نكبة عامة عندما نهبت وسرقت وأحرقت المكتبات العامة في فلسطين وماتحويه من تراث وتاريخ. ونكبة خاصة شخصية عندما نكبت مكتبات كبرى لأقلام وأسماء فلسطينية معروفة في عالم الفكر والإبداع والبحث والعلوم والمعرفة بشكل عام.
وأعتبرد بدوان أنه في محنة مخيم اليرموك، تكررت الحالة إياها، بالرغم من الفارق بين عدو حقيقي، وبين عدو جاهل لنفسه، ففي دراما المشهد المأساوي أشير لما وقع مع شخصياً، فقد ضاعت كتبي، وضاعت معها مئات السيديات وآلاف الصور والوثائق، وطارت معها مئات التسجيلات والمقابلات مع رعيل كامل من المناضلين الفلسطينيين منهم على سبيل المثال وليس الحصر مقابلات مسجلة مع الراحل أحمد الشقيري مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية، أجريت عام 1979 قبيل وفاته بوقت قصير عندما كنت طالباً جامعياً في سنواتي الأولى. ودمُرت مُجلدات فلسطين الثورة التي كنت أحتفظ بها منذ صدورها وغيرها من المطبوعات الفلسطينية، وضاعت معها مجلدات مجلة فتح وأعدادها الأولى منذ العام 1965، ومئات المُلصقات القديمة ومنها الملصقات بقلم الفحم، والصادرة سنوات الكفاح الفلسطيني المعاصر خصوصاً سنوات البدايات الأولى سنوات الجمر الفلسطيني ومنها صور قوافل الشهداء الأولى وملصقاتهم، وضاع معها تاريخ شخصي ووطني، ملىء ومُتخم بوثائق فلسطينية تكاد توازي موجودات كل ماهو مُكتنز لدى الجهات الفلسطينية العاملة في المضمار الثقافي والتوثيقي والمعرفي. فقد كانت مكتبتي مَرجِع لكل فصيل من فصائل العمل الوطني من أقصاها لأقصاها كان يريد الحصول على مطبوعة ما كانت قد صدرت عنه في سنوات غابرة. فكم هم سَفَلة ومُجرمين وأوغاد هؤلاء المُعتدين، وكم هُم جهلة ووحوش ضارية فعلوا بنا وبمخيمنا أكثر مافعله المغول وهولاكو عند غزو بغداد. لقد سرقوا منّا حتى الذكريات والصور ورائحة حارة الفدائية ومخيم اليرموك ... وللأسف مازال البعض عاجز عن رؤية الحقيقة.
"في حين قال الباحث "إبراهيم العلي":" كانت المكتبة ركن أساسي في البيت حرصت على جمع أمهات الكتب فيها سواء الشرعية أو الفكرية وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بالقضية الفلسطينية بحكم عملي كباحث في شؤون اللاجئين الفلسطينيين، لقد كانت صدمتي كبيرة جداً عندما أرسل لي أحد الأصدقاء صور منزلي في مخيم اليرموك و تظهر فيها مكتبتي خالية من الكتب، شعرت عندها بالخسارة الفعلية" وأضاف العل بأننا نستطيع تجديد الأثاث ولكن قد لا نجد بعض العناوين من الكتب التي حرصنا على جمعها واقتنائها أو حتى التي ورثناها، وتمنيت من كل قلبي أن تقع هذه الكتب في أيدٍ تقدر قيمتها وتعلم سبل الانتفاع منها.
أخيراً يمكن القول أن في مخيم اليرموك اليوم يبحث الأطفال عن أقلامهم، عن دفاترهم، ويسأل الأدباء عن دفاترهم ، وتحدق العيون في محابر انسكبت على دروب الشتات ، فضاقت الأحلام مثل البيوت، وذرفت الأقلام الدموع مثل السقوف التي يتسلل منها المطر البارد في ليل الشتاء الطويل ، ومساء النكبة الأطول
.
"

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث