جذور الشعر الفلسطيني في العصور الإسلامية PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم: أحمد السعيد

جذور الشعر الفلسطيني في العصور الوسطى

مقدمة :
 لم يكن الشعر الفلسطيني وليد أحداث الصراع العربي الصهيوني، إنما هو شعر عريق له جذور راسخة في التاريخ، جذور بدأت مع الصراع الإسلامي الصليبي، إذ بادر شعراء فلسطين في هذا العصر السحيق بتأريخ الأحداث الجسام في الصراع الإسلامي الصليبي بالشعر، لتكون المقاومة الشعرية الأدبية كتفاً بكتف مع المقاومة العسكرية الحربية.

 إن النتاج الشعري لشعراء فلسطين المعاصرين لم يولد صدفةً إنما هو نتاج تاريخ عريق وتراكمات أدبية بدأت مع الغزو الصليبي لبلدان الشام، إن عبد الرحيم محمود ومحمود درويش وسميح القاسم لم يكونوا وليدي اللحظة، إنما كان لهم أسلاف شعراء قاوموا المحتل الصليبي الأوروبي بالشعر والأدب كابن القيسراني.
هذة هي جذور الشعر العربي الفلسطيني التي امتدت عبر التاريخ من العصور الإسلامية وحتى العصور الحديثة والمعاصرة، وإلى جانب الشعر المقاوم فإن شعراء فلسطين في العصور الإسلامية لم يقتصر انتاجهم الشعري على المجال الحربي فقط، بل امتد إلى أغراض أخرى كالغزل والنسيب ليعبروا عن حبهم للحياة، ذلك الحب الذي يتساوى مع حب المقاومة والجهاد في سبيل الدفاع عن الأرض والكرامة والحرية.
تعرب فلسطين :
وحتى نفهم جذور الشعر الفلسطيني علينا أولاً أن نعرف كيف تعربت فلسطين وكيف كان انتشار العربية فيها؛ الأمر الذي أفرز فيما بعد هذا النموذج الفريد من الشعر.
قبيل الفتح الإسلامي لبلاد الشام كانت هناك سلالات عرقية مختلفة، منها الساميون وهم سلالة الشعوب التي نزحت قديماً من شبه الجزيرة العربية كالأموريين والكنعانيين والفينيقيين والآراميين، بالإضافة إلى عناصر يونانية ورومانية، وكانت اللغتان الآرامية واليونانية هما الأكثر انتشاراً في الشام، وسرعان ما انتشرت اللغة العربية في بلاد الشام بعد الفتح الإسلامي، ومن أبرز العوامل التي أدت إلى تعرب الشام وفلسطين ما يلي:
 انتشار الإسلام: سرعان ما رأى أهل الشام في الإسلام منقذاً لهم من بطش الدولة الرومانية الشرقية( البيزنطية)، وكان دخول الفرد في الإسلام يحتم عليه تعلم العربية حتى يتقن قراءة القرآن و يحسن أداء الصلوات، كما أدى دخول الغساسنة في الإسلام -وهم عناصر عربية سكنت شرق الأردن ويعود أصلهم إلى اليمن- إلى تسريع وتيرة التعرب.
 الاحتكاك والتمازج مع العناصر العربية: سكن الشام كثير من الجند الفاتحين لها، واستمرت موجات القبائل العربية النازحة إلى الشام طوال الفترات الأولى من العصر الأموي، واستقرت عشائر وبطون في بلدان الشام المختلفة مثل قيسارية وبيروت وحمص، وبذلك حدث تمازج ثقافي بين العرب المهاجرين وبين سكان الشام عن طريق الاختلاط اليومي بين الأسر والسكان، كما لعب عنصر المصاهرة دورًا كبيرًا في التعرب.
 اتخاذ دمشق عاصمةً للخلافة الأموية: اتخذت الدولة الأموية من دمشق عاصمةً لها، واستعانت بالكثير من العائلات النصرانية من سكانها في الإدارة وشئون الخراج والمال، فانكب الكثير من نصارى الشام على تعلم العربية واتقانها تحدثاً وكتابةً.
 تفوق العربية على الآرامية: لم يكن للغة الآرامية ذلك التراث الأدبي العريق الذي كان للغة العربية، كما لم يكن لها جمالها في الجرس وحسن الإيقاع.

أعلام الشعر الفلسطيني في العصور الإسلامية:
وهكذا تعربت بلاد الشام سريعاً، وتعربت فلسطين وظهر في هذه البقعة الجغرافية نمط فريد من أنماط الشعر مازال يخلب العقول والألباب حتى يومنا هذا، ومن أبرز شعراء فلسطين في العصور الإسلامية:
ابن القيسراني :
هو أبو عبد الله، شرف الدين، محمد بن نصر بن صغير، ولد عام 478 هجرية في مدينة عكا، يعتقد بعض أنه من نسل الصحابي الجليل خالد بن الوليد، إلا أن معظم المؤرخين والنسابة يعتقدون أن نسل خالد قد انقطع منذ زمن بعيد.
كانت عكا في ظل الحكم الفاطمي إلى أن هاجمها الصليبيون عام 497 هجرية فانتقل الشاعر إلى قيسارية الساحل القريبة من عكا، فنسب إلى قيسارية ونشأ فيها إلا أن مكوثه فيها لم يطل إذ غادر إلى دمشق.
وفي دمشق قرأ أدب توفيق بن محمد الدمشقي وتواصل مع شاعر الشام في عصره ابن الخياط وتتلمذ على يديه، ويبدو أن الأخير قد لمس فيه موهبة شعرية فقرر صقلها ورعايتها، إلا أن إقامته في دمشق لم تطل لأنه كان على خلاف مع الأسرة الحاكمة هناك من آل طغتكين فغادرها إلى حلب التي كانت في كنف الدولة الزنكية آنذاك، وهناك بدأ في مدح أعيان الخلافة العباسية التي كانت تسيطر شكلياً على دولة آل زنكي، كما تواصل مع عماد الدين زنكي عن طريق وزيره جمال الدين الأصفهاني.
صحب الشاعر الوزير خلال فتوح عماد الدين في بلاد الشام، وشهد الشاعر البطولات الإسلامية في مقاومة الصليبيين وخلدها شعراً، وبعد موت عماد الدين تواصل ابن القيسراني مع ولده نور الدين محمود وواصل دوره في تخليد ذكرى المعارك والانتصارات بالشعر.
إلا أن خلافاً غير معروف السبب نشب بينه وبين نور الدين فرجع مرة أخرى إلى دمشق في ظل حكم ملكها مجير الدين آبق وتوفي بأرض دمشق عام 548 هجرية وشيع إلى مثواه الأخير في مقبرة باب الفراديس.
أما عن شعره والاتجاهات العامة لشعره فنلحظ وجود ثلاث توجهات رئيسية فيه وهي : تخليد ذكرى أحداث الصراع الإسلامي الصليبي في بلاد الشام و الاتجاه التقليدي في المدح والتجديد في معاني الغزل والنسيب.
أما عن تخليد أحداث الصراع الإسلامي فقد خلد الشاعر بطولات آل زنكي في دحر الصليبيين، إذ خلد تحرك عماد الدين زنكي عندما سار إلى الفرنجه عام 534 هجرية وحاصر أمنع حصونهم في الشام وهو حصن ( بارين) برائية شهيرة مطلعها :

حذارِ منّا، وأنّى ينفعُ الحذَرُ ** وهْي الصوارمُ، لا تُبقي ولا تَذرُ
وأين ينجو ملوكُ الشِّركِ من ملكٍ ** من خيلهِ النصرُ بل من جندهِ القدرُ

و يردف ابن القيسراني بقصيدة ثانية يخلد بها فتح مدينة الرها عام 539 هجرية مطلعها :

هو السيفُ لا يغْنيكَ إلا جِلادهُ ** وهل طوّقَ الأملاكَ إلا نِجادهُ

ويقول فيها أيضاً:

سَمت قِبلة الإسلامِ فخراً بطولِهِ ** ولم يكُ يَسمو الدينُ لولا عِمادُهُ
مصيبُ سهامِ الرأيِ لو أنّ عزمَهُ ** رمى سدّ ذي القرنينِ أصمى سدادُه
فقُلْ لملوكِ الكُفرِ تُسلمُ بعدَها ** ممالِـــــكُها إنّ البلادَ بِلادُهُ
كَذا عن طريقِ الصُّبحِ فليَنْتَهِ الدّجى** فيا طالَما غالَ الظلامَ امتدادُهُ
وللهِ عزمٌ ماءُ سيحانَ وِردُهُ ** وروضةُ قُسطنطينةٍ مُسترادُهُ

ويلاحظ هنا المديح الذي أطرى به الشاعر على عماد الدين زنكي.
كما مدح الشاعر وزير الدولة الزنكية في عهد عماد الدين وهو جمال الدين الأصفهاني ومن ذلك قوله :

وإذا الوفودُ إلى الملوكِ تَبادرَتْ ** فعلى جمالِ الدينِ وفدُ مَحامدي
يا حبذا همٌّ إليكَ أصارني ** وعزيمةٌ تَقفو رياضةَ قائدِ

ومدح الشاعر نور الدين محمود بقصيدة بدأها بقوله :

دَعا ما ادّعى من غرةَ النّهيُ والأمرُ ** فما المُلكُ إلاّ ما حباكَ به الأمْرُ

كما مدحه بقوله:

مُظفّرٌ في دِرعهِ ضيغمٌ ** عليه تاجُ الملوكِ مَعقودُ
وصارمُ الإسلامِ لا يَنثني ** إلاّ وشِلوُ الكفرِ مَقدودُ

كما أنشد الشاعر في نور الدين محمود عقب أحد انتصاراته قائلاً:

هذي العزائمُ لا ما تدّعي القُضبُ ** وذي المكارمُ لا ما قالتِ الكتبُ
أغرتْ سيوفكَ بالإفرنجِ راجفةٌ ** فؤادُ رومِيةَ الكبرى لها يَجبُ
غضبتَ للدّينِ حتى لم يفُتكَ رِضًا ** وكان دين الهُدى مرضاتُهُ الغضبُ
من كان يغزو بلادَ الشركِ مُكتسِبا ** مِن الملوكِ فنورُ الدّينِ مُحْتسِبُ
فانهضْ إلى المسجدِ الأقصى بِذي لجَبٍ ** يُوليكَ أقصى المُنى فالقدسُ مُرتقِبُ

فهو هنا يستحث نور الدين على فتح بيت المقدس وتطهير الأقصى من دنس الفرنجه الغاصبين.
كما لم ينس الشاعر شعر الغزل والنسيب إذ إن له باعاً طويلاً في ذلك.
الغزي :
هو إبراهيم بن يحيى بن عثمان الكلبي الغزي، ولد بغزة عام 441 هجرية وبها نشأ وتعلم وسال الشعر على لسانه فيها، وعندما بلغ الأربعين عاماً سافر إلى دمشق وسمع من شيوخها، ثم رحل إلى بغداد وأقام في المدرسة النظامية سنين عدة، ثم ذهب إلى إيران وخراسان وأوغل شرقاً متوغلاً بين الحكام والقضاة والوزراء إلى أن توفي عام 524 هجرية بين مرو وبلخ عن عمر يناهز ثلاثة وثمانين عاماً ثم نقل جثمانه إلى بلخ ودفن فيها.
أما عن شعره فله شعر رقيق في الغزل والمديح، وله من الشعر ما يعبر عما يجيش بداخله من مشاعر وأحاسيس بعضها حزين كالأبيات التاليه، ومن ضمن الأبيات التي جادت بها قريحته:

قالوا: هجرتَ الشعرَ؟ قلتُ ضرورةٌ ** بابُ الدّواعي والبواعتِ مُغلَقُ
خلتِ الدّيارُ فلا كريمٌ يُرتَجى ** منهُ النَّوالُ ولا مليحُ يُعشقُ
ومِن العجائبِ أنّهُ لا يُشترى ** ويُخانُ فيه - مع الكسادِ - ويُسرقُ


فهو هنا يستشعر كساد سوق الأدب وقلة الشعراء والمبدعين في بلاده، وفي أبيات أخرى يقول :

إنيّ لأشكو خطوباً لا أُعيِّنُها ** ليبرأ الناسُ من لَومي ومن عَذَلي
كالشمعِ يبكي ولا يدري أعَبْرَتُهُ ** من صُحبةِ النّارِ أم مِن فُرقةِ العَسَلِ

و يقول شاكياً من قسوة الأيام:

حَملنا مِن الأيّامِ ما لا نُطيقه ** كما حملَ العظمُ الكسيرُ العَصائبا
وليلٍ رَجَوْنا أن يَدبَّ عذاره ** فما اختطَّ حتى صارَ بالفجرِ شائِبا
فلا تَحمدِ الأيّامَ فيما تُفيدُهُ ** فما كان منها كاسياً كان سالباً

هكذا كان الغزي يعبر عما يجيش بصدره من مشاعر حزينه وكأنه كان يشعر بالخطوب الجليلة التي ستلم بحفدته من بعده.
مرعي الكرمي:
هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي، لقب بالكرمي نسبةً إلى طولكرم مسقط رأسه وهو مؤرخ وأديب وشاعر و فقيه حنبلي، انتقل إلى القدس ومنها إلى القاهرة ليقضي فيها بقية حياته إذ أصبح من كبار علماء الحنابله فيها، وللكرمي نحو سبعين كتاباً يدور معظمها حول مجالي الشعر والعلوم الشرعية، توفي الكرمي عام 1033 هجرية 1624 ميلاديه في القاهرة.
وللكرمي آثار شعرية تناولت مواضيع شتى، منها إعجابه بالإمام أحمد بن حنبل الذي يتبع مذهبه إذ يتجلى ذلك في قوله:

لئن قلّدَ الناسُ الأئمةَ إنّني ** لفي مذهَبِ الحَبر ابنِ حنبلَ راغبُ
أقلِّدُ فتواهُ وأعشقُ قولَهُ ** وللناسِ فيما يعشقونَ مَذاهِبُ

كما أن له آثاراً في الغزل العفيف مثل قوله:

ليت في الدهرِ لو حظيتُ بيومٍ ** فيهِ أخلو مِن الهوى والغَرامِ
خاليَ القلبِ من تباريحِ الهَوى ** وصُدودٍ وحُرقةٍ وهُيامِ
كي يُراحَ الفؤادُ مِن طولٍ شَوقٍ ** قد سقاهُ الهوى بكأسِ الحِمامِ


أحمد الصفدي:
هو أحمد بن محمد بن محمد الصفدي، ولد بصفد ومنها انتقل إلى دمشق، اشتغل بعلم القراءات ونسخ الكتب، سافر إلى الحج وأخذ عن علماء الحرمين، عمل في التدريس وألف كتاباً جمع فيه ألف حديث، توفي سنة 1100 هجرية، وله شعر كثير، ومن ضمن أبياته الشعرية التي تتحدث عن الغزل:

يا فائقَ الحُورِ الحِسان بوجههِ ** وجمالِ غرتِهِ المَصونِ المُبهرِ
قسماً بوجهك وهو شمسً أشرقتْ ** وبما بفيكَ من الرُّضابِ المُسكرِ
لا حلتُ عن مُرِّ الهوى ما دمتُ في ** قيدِ الحياةِ ولو بعثتُ لمَحشرِ

إن هذا النمط من الشعر العريق له جذور تاريخية أصيلة، فهو لم يكن وليد العدوان الصهيوني على فلسطين كما رأينا ولكن جذوره ممتده إلى عصور الحضارة الإسلامية( العصور الوسطى)
ولا شك في أن الشعر الفلسطيني المعاصر هو امتداد طبيعي لهذة الجذور الأدبية البديعة التي نبتت في أرض فلسطين و روتها ينابيع الألم والأمل على مر العصور.
المراجع:
 تاريخ الأدب العربي - عصر الدول والإمارات ( الشام ) / د. شوقي ضيف.
 الأدب في بلاد الشام –/ د. عمر موسى باشا.
 الأدب العربي بين العصرين المملوكي والعثماني/ الجزء الأول / د. نبيل خالد أبو علي.
 موقع بوابة الشعراء.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث