حوار بيت فلسطين ااشعر مع الشاعر علي عصافرة PDF طباعة أرسل لصديقك
حــوار: مـحـمــد ربــاح

علي عصاقرة

في حـوار عــن تـجـربـتـه خلف الأسوار علي عـصـافـرة:
كتبـــت ديـــواني عشــــــرين مــرة بخـط يدي قبل أن يرى النـــور

غزة _ بيت فلسطين للشعر وثقافة العودة
*سؤال لابد منه من هو علي عصافرة ؟
الشاعر: محمد علي عصافرة (أبو محمد) من قرية بيت كاحل وهي قرية صغيرة تقع في الزاوية الشمالية الغربية للخليل, درست في مدارسها باستثناء الصف الأول الثانوي فقد درسته في قرية ترقوميا, دخلت جامعة الخليل قسم الإدارة والمحاسبة, واعتقلت في السنة الثالثة بعد تنفيذ عملية اقتحام مستوطنة كرمي تسور قرب الخليل وحكمت أربع مؤبدات وعشرين سنة أمضيت منها تسع سنوات في السجن ثم أفرج عني في صفقة وفاء الاحرار

 

* هل يمكن العودة إلى البدايات التي لعبت دورا في اتجاهك إلى الكتابة الادبية؟
الشاعر: هناك منعطفات في الحياة قبل منعطفات الكتابة والمنعطف الأخطر في حياتي كان دخولي الجامعة, وأنا أَقسم نفسي إلى شطرين: شطر ما قبل جامعة الخليل وشطر ما بعدها, كما أن اعتقالي كان منعطفًا خطيرًا ومهمًّا أثر في حياتي بشكل كبير جداً.
أما عن البداية الحقيقية للكتابة وبعيداً عن الخربشات والهرطقات فقد كانت في السجن حيث كانت بداية انطلاقها ونهايتها أيضا, حيث بدأت فكرة التوجه إلى اللغة العربية ودراستها في السنة الثالثة من الاعتقال وتحديدًا في سجن عسقلان في عام 2006 .
* ما أهم العوائق التي واجهت الشاعر الأسير علي عصافرة في السجن في بداية مسيرته الشعرية؟
الشاعر: أنا فخور جدًا بتجربتي الأدبية عمومًا ليس لأنني أعدّ نفسي في مصاف الشعراء المتقدمين بل لأنني تمردت فيها على الذات وعلى الواقع المرَ في السجن, وقد كان قرار دخولي إلى عالم الأدب من القرارات الصعبة جدًا لا يقل صعوبة عن قرار دخول العملية, لأن الواقع الأدبي في السجن كان صعبًا جداً فلا توجد مراجع أدبية, أو مدرسين أكفاء يساعدونك, فالأسير قد يجد الكثير ممن يدرّسونه في السيرة أو الفقه أو اللغة الانكليزية, لكن مدرّسي اللغة العربية نادرون بشكل واضح, وهكذا كنت أمام تحديات كبيرة وعندما اتخذت القرار كان لدي دافعان: الأول تحفيز من الشيخ محمد جلال النتشة أبو همام حفظه الله فقد كان يحثني دائما على دخول عالم الأدب واللغة العربية ويؤكد أن الدعوة الإسلامية تحتاج إلى الأدباء والشعراء و كان دائما يضعني في دائرة الهدف فكان يسلم علي ويقول لي أرى فيك شاعراً بعد عشرة أعوام يشار له بالبنان , فخيل لي أني شاعر من كثرة تكراره لهذه العبارة وعندما انتقلت إلى سجن عسقلان وابتعدت عنه, شعرت بقيمة هذا الرجل العظيم وبقيمة كلماته وبدأت أجلس مع نفسي وحيداً وأفكر بالأمر بشدة, أما الدافع الثاني فقد كان افتقاري لأبجديات اللغة العربية وكنت أعدّ ذلك نقطة ضعف يجب التخلص منها.
أخذت القرار في سجن عسقلان بالرغم من قسوة الظروف وذهبت إلى المكتبة التي كانت صغيرة جدًا يغطيها الغبار, واخترت كتاب شرح شذور الذهب الذي بقي معي هذه الفترة فكان الكتاب أنيسي وقد شعرت في بداية الأمر أنني أقرأ, طلاسم وأذكر أنني قرأت أول سبعين صفحة أكثر من مرة حرفًا حرفًا وكلمةً كلمةً, وبعد خروجي من العزل نقلت إلى سجن إيشل الذي كان فيه الشيخ أبو همام وتوليت اللجنة الثقافية وطلبوا مني إقامة دورة في اللغة العربية وفي النحو خاصة وكان هذا الاختبار الأول لي لأقيّم نفسي ونتائج دراستي.
درّست الدورة أحد عشر طالباً من الإخوة استمروا معي مدة أربعة شهور متواصلة في رحلة مع النحو, وأصروا على المتابعة بدورة متقدمة, وسطع نجمي كما يقال, فكانوا يقولون فيما بينهم: لأول مرة ندرس اللغة العربية ونسمع النحو بهذه الطريقة, فقد جعلتني ستة الأشهر التي قضيتها مع الكتاب أرسم خارطة ذهنية للنحو بشكل مريح وسلس وجميل جدًا, والإرهاق الذي عانيته نظّم العقل ورتب المكتبة فيه.
تفاعُل الشباب حولي عزز ثقتي بنفسي و جعلني أنطلق نحو اللغة بهمّة فطلقت كل ما حولي وتفرغت للغة فكنت أقرأ في كتب البلاغة و النحو وأي كتاب يقع بين يدي في اللغة العربية, حتى في أمهات الكتب الثقيلة وألخّص وكأني طالب في الجامعة, والحمد لله وضعت خطة في السجن لثلاث مراحل مرحلة (أ) و مرحلة (ب) و مرحلة (ج) وكانت المرحلة (ج) لما بعد السجن، وقبل الإفراج عني في صفقة وفاء الأحرار راجعت الخطة وكنت قد أنجزت منها المرحلتين الأوليين, وأنا حاليا أكمل المرحلة الثالثة, فهي مرسومة في عقلي بشكل جيد وأسير عليها بشكل ممتاز.
وهكذا فقد كان العائق الكبير هو عدم وجود مدرّسين إضافة إلى مصادرة الأقلام والأوراق, فمثلا لي قصيدة (اغتيلت) كنت أكتبها عندما دخلت وحدة التفتيش وكبلتنا أنا ورفاقي وأُخرجنا من الغرف, وعندما عدت لم أجدها فجلست ثلاثة أيام في حالة يرثى لها كمن فقد ولدًا من أولاده عزيزًا عليه. والمؤسف أني حاولت أن أستذكرها فلم أذكر إلا أربعة أبيات فقط, وقد كتبتها في ديواني الأول الذي طبع وأنا في السجن (اللؤلؤ والمحار) كما أن التنقل من سجن لآخر كان يشكل عامل معاناة آخر فقد تضيع أوراقك, فكان عليك أن تنسخ ما تكتبه فمثلاً ديواني الشعري الأول كتبته بخط يدي عشرين مرة بالإضافة إلى تدقيقه, ومع ذلك طبع الكتاب وفيه أخطاء لغوية ونحوية.
*ما هي أهم كتاباتك الأدبية في مرحلة الأسر؟
الشاعر: ديوان (اللؤلؤ والمحار) الذي تبناه الدكتور أسامة الأشقر وأشرف على طباعته, وديوان (الضوء و الأثر) الذي تبناه الدكتور عبد الخالق العف, وعندما خرجت في صفقة التبادل كان الديوان لا يزال في رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين فراجعته مع الدكتور وتمت طباعته, هذا بالإضافة إلى المجموعة القصصية (أوراق الصبار) التي أثنى عليها الدكتور عدنان كنفاني وقال: "إنها بداية واعدة", وهي الآن بيد الدكتور أسامة الأشقر وقد وعدني بطباعتها.
* ما هو الأثر الذي تركه في نفسك نشر الديوان الأول ؟
الشاعر: لقد ترك ذلك في نفسي بالغ الأثر, فأنا لم أعلم بنشره إلا بعد سنة ونصف مصادفة عن طريق صديقي أيمن قفيشة الذي كان يتواصل مع زوجته على الهاتف الجوال فأخبرَته أنها رأت ديوانًا مطبوعًا لعلي عصافرة فطلب منها أن ترسل صورة الغلاف برسالة على هاتفه الجوال, وأرسل لي الهاتف لرؤية الصورة, فلما رأيتها أجهشت بالبكاء بشكل هستيري وكأن شريط المعاناة الأدبية مثل أمامي بطريقة غريبة, ديواني كان حلمًا فقد كانت كلماتي نافذتي على العالم وأنا في الأسر, أُخرج بها ما في قلبي وعقلي وروحي, أما أن تصبح في ديوان فقد كان هذا حلمًا بعيدًا, وكنت قد فقدت الأمل في نشره ولهذا كان الشعور بالفرح شديدًا لكنه كان ممزوجا بالألم لأني عرفت بالأمر بعد سنة ونصف, وكانت رؤيتي للغلاف مثل رؤية الأهل وكان حلمي إدخال الديوان إلى السجن ولكني لم أشاهده الا بعد خروجي منه.
* الأبيات التي تقول فيها :

وقضى الوداع عليَّ قطع وصالهم..................بنصاله والدمع في الأجفان
عند العناق تلعثمت كلماتنا..................والآه تقطر من فم الكتمان
نرنو وجوها أشرقت أنوارها..................والقلب يرمق جنة الرحمن

هل هي خاصة بأشخاص معينين أم هي جاءت على العموم؟
الشاعر: بعين دامعة وصوت تخنقه العبرة - أنت بهذه الأبيات كمن ينبش القبور, فهذه الأبيات كانت للحظات العملية لطاقم العملية التي نفذتها, وهو أقل القليل مما كتب فيهم, وأرجو منك أن تتجاوز السؤال فقد شارفت الدموع على الانهمار .
* شهدت معركة العصف المأكول في غزة ماذا أثرت في نفسك وماذا كتبت فيها؟
الشاعر: في زمننا هذا أصبحت أؤمن بأن الكلمات خطيئة, ذلك عندما تصبح متكأ لضعفنا وعجزنا في زمن تشرع فيه الحراب, أما عندما تواكب الحراب فلا بأس. إن زمننا زمن ثقيل, أعدّه جزءًا من أهوال يوم القيامة , متخبط , أحداثه كثيرة وجسيمة مما يجعل احتوائها داخل نص أمرًا معجزًا, ففي كل يوم تمر أحداث ضخمة جدًا. إيماني بالصورة ولقطة الكاميرا أصبح أعمق وأكبر من الصورة التي نكتبها بالشعر, ومع ذلك لا بد من بقاء القصائد والكتابات لتعبر للأجيال و تؤرخ الأحداث.
هذه أول حرب أحضرها في غزة ففي حرب السجّيل كنت في السودان, وخلال حرب الفرقان كنت لا أزال في السجن, في هذه الحرب عرفت مدى عظمة أهل غزة, فأحيانا مع دخولنا في معترك الحياة لا تقع أعيننا إلا على الترهات والتفاهات, ومع التكرار والزمن تتشربها قلوبنا ونصبح نرى الأشياء من منطلق هذه الترهات وننسى القيم العظيمة, والحروب هي التي تثبت أن على هذه الأرض ما يستحق الشهادة, أما عمّا كتبت في الحرب فقد كتبت قصيدة واحدة أسميتها (يتيمة الحرب) أقول فيها :

يا صاحبيّ انزلا نستذكر الدارا..................عوجا عليها وخلوا الدمع مدرارا
تبدل الحي والأحباب قدر رحلوا..................وغير القصف من بالثوب معطارا
يا ربـع غــزة أثـقـلـتم مــواجــدنـا..................وهيج المــوت أذيــابــا وأبـــكـــارا
دارت على الحي غربان تشيعه..................لكــنّ بـالـحـي لـلــغــربان أقــدارا

* بعد أن منّ الله عليك بالفرج ما هي مشاريعك الأدبية المستقبلية ؟
الشاعر: ليس لدي طموح أدبي شعري باستثناء أن أبقى في هذا المركب حاليًا. كان لدي طموح بإنشاء رابطة أدبية لشعراء الضفة الغربية لكن الصعوبات كبيرة, حاولت فيها جاهداً لكنها لم تنجح. حاليًا أتوجه إلى مجال السينما والدراما وقد اتبعت دورات في السيناريو والإخراج والمونتاج فأنا أعشق هذا المجال إلى جانب عشقي الشديد للشعر.
* ما هي أهم العوائق التي تواجه المبدعين في غزة ؟
الشاعر: العائق الحقيقي – برأيي - أن رأس الهرم لا يؤمن بالثقافة, فكثيرا ما تنفَق الأموال على الاحتفاليات والرحلات في حين أن المؤسسات الثقافية ليس لديها هذا الدعم المادي فالمال هو السلطة, وعندما يصبح المبدع على هامش الحياة ويتسول بكلماته على قارعة الطرق وأبواب المسؤولين يصبح الإبداع كومة من القمامة, بينما عندما تتوفر له سبل العيش بكرامة والتفرغ لعقله وروحه وقلمه وأوراقه, وعندما يصبح لدينا السياسي المثقف الذي يقدر قيمة الكلمة يصبح لدينا مبدع قادر, وأضرب لذلك مثلاً المتنبي فهو من دون سيف الدولة صفر وسيف الدولة من غير المتنبي صفر, فأنا أرى دولة السيف ودولة القلم جنباً إلى جنب, فقد يبقى المبدع يركض كالفأر في دولاب التجارب وهو يظن نفسه قد قطع مسافات وهو لايزال في مكانه إذا لم يكن بجانبه السياسي المثقف المؤمن بأن الكلمة تعدل الرصاصة في مفعولها, فإذا لم يؤمن السياسي ومن هم أصحاب القرار في غزة بأن الكلمة تعدل الرصاصة لن يتقدم المبدع خطوة واحدة للأمام.
* كلمة أخيرة لبيت فلسطين للشعر؟
الشاعر: أن يكون لديك طموح في غزة هو بمثابة الرباط على الحدود الشرقية, وأنتم في بيت فلسطين للشعر لديكم طموح وعليكم تحمل خفافيش الليل، وأنتم أناس تملكون الطموح ولديكم استعداد للتضحية لأجل الكلمة, فالكلمة تحتاج إلى تضحية وأنتم في بيت فلسطين للشعر لكم مواطن نجاح معروفة ومحفوظة وكما قيل :

إذا كانت النفوس كبارا.............. تعبت في مرادها الأجسام

فأتعبوا أجسادكم كي تبقى أحلامكم وأتمنى لكم التوفيق الدائم.

*****
 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث