مقال حسام شاكر PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : الإعلامي حسام شاكر - فيينا

image820

تفاعلاً مع مقال العزيز دكتور سعيد الحاج، المنشور في "هافينغتون بوست" تحت عنوان: "ناجي العلي وحنظلة ونحن، من الذي مات؟"، ثم نص الأستاذ العزيز سمير عطية تعليقاً على المقال..
 (١)
 عندما يتعلّق النقاش بأحد شهداء الكلمة أو الريشة أو الموقف، فإنّ علينا - ابتداءً - أن نتشكّك بحياد الانطباعات الإيجابية عن دوره وعمله. فالتمجيد الذي يبلغ بصاحبه الذروة يبدِّد بعض شروط الحوار النقدي الموضوعي بشأن التجربة والدور والأعمال، والسياقات أيضاً.

يتحوّل المبدع إلى قدِّيس تُنحَت له الأصنام، بما يصادر الإبداع ذاته ويطوِّقه بالأسلاك الشائكة.
لا غنى عن هذه التوطئة قبل إعمال النظر في الموضوع.
(٢)
اختطّ ناجي العلي تجربته التي اكتسبت خصوصيتها، بل تميّزها، من مقومات متعددة. منها خصوصية الانبثاق من صميم حالة اللجوء الفلسطينية، وما تفرّغ عنها من المواكبة لاسيما في سياق "الثورة" خلال التجربة في الساحة اللبنانية بصعودها وانكسارها. ولا ريب أنّ التميّز قد تأتّى له من النقد اللاذع والسهام المسددة في أعماله، وهذا من الوفاء لوظيفة الكاريكاتير في الأساس.
ثم إنّ دفع الثمن باهظاً بالنفي والتهديدات مما يعظِّم قيمة العمل ويؤكد عُلوّ قامة الفنان. أما واقعة الاغتيال على جسامتها فقد لا تكون بحدّ ذاتها الحدث الأهم في سياق دفع الثمن، لأنّ لحظة الانعتاق من قفص البدن هي ذاتها لحظة التحرّر من التهديد والتملّص من المطاردة لصالح التخليد في أفق الموقف.
ويبقى الإتقان في الصنعة من مقومات التميّز، ومن أماراته نحت شخصية "حنظلة"، مثلاً وليس حصراً. وقد بات حنظلة رمزاً مؤبّداً وعابراً للزمان والمكان، وللثقافات تقريباً. ينتصب حنظلة اليوم شاخصاً للناظرين على الجدار التوسعي الاحتلالي، كما تستحضره وفرة من المواقع متعددة اللغات في زمن التشبيك الإلكتروني، وهو من الشعارات المعتمدة في أدبيات الفعل الجماهيري الذي يتبنى نصرة فلسطين حول العالم كما في حركة "المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات" مثلاً.
فناجي العلي باقٍ ولم يرحل، وقد يبزغ مجدداً من حيث لم نحتسب في زمن الموجات الجماهيرية الجارفة.
(٣)
من قال إنّ ناجي قد قضى؟ هو باقٍ بأعماله، ومن يجزم بأنه كان سيبقى إن لم تستقرّ تلك الرصاصات الجبانة في جسده؟
ألم تَذْوِ بعض الأسماء في الحالة الثقافية العربية وفي غيرها وهي على قيد الحياة، بعد أن حوصرت في المنابر أو ألقت بها تقلّبات السياسة بعيداً عن صميم المشهد؟
بعد كاتم الصوت تلوّنت الرسوم وتناسخت الشاشات وبزغ التشبيك واضمحلّت الصحافة. لست متشككاً بقدرة حنظلة على مواكبة التحوّلات الجارفة التي تضافرت، ولكن هل كان سيبقى هو هو؟
(٤)
بقي ناجي العلي، موضوعياً، عقداً أو عقدين على الأقل. فالحال الرسمية العربية لم تفارق مآزقها الذي وُجدت عليه منذ إعلانات الاستقلال.
وتكثيف سهامه على نمط البيروقراطية الفلسطينية برهن على جدواه من واقع المآلات التي أفضت إليها رسمية المنظمة ثم رسمية السلطة.
وكثير من الموضوعات التي تناولها بريشته بقيت صالحة للاستدعاء في الواقع مع بعض المعالجات التفصيلية أحياناً.
نستشعر وطأة الانقطاع عن ناجي العلي في زمن التحوّلات الجارفة التي شهدها العالم العربي عبر تقلّبات الربيع والخريف وتشظِّي الدول وتمزّق المجتمعات، دون أن نُعدَم القدرة على تخيّل كيفيات التناول والمعالجة التي قد ينحو إليها صاحب حنظلة، وإن بقيت فرضيات وحسب.
(٥)
في مقال العزيز دكتور سعيد الحاج، المنشور في "هافينغتون بوست" تحت عنوان: "ناجي العلي وحنظلة ونحن، من الذي مات؟"، ثم النص الذي تفاعل به الأستاذ العزيز سمير عطية مع المقال، نجد الموضوع يمضي بنا إلى مأزق الحالة الثقافية العربية خلال ثلث قرن أو يزيد.
وفي مقال دكتور سعيد استنتاجات شتى، منها ما يتطرَق إلى الحالة اليسارية العربية. وأرى أنّ موضوع اليسار والثقافة في الواقع العربي يتطلب نظرات فاحصة ومستوعبة، فالحالة اليسارية العربية ليست لوناً واحداً في التموضع المكاني الواحد، وهي ليست نمطاً واحداً على امتداد الرقعة العربية، وهي ليست ضرباً واحداً في أصالتها وعمقها.
علينا إزاء التجربة اليسارية العربية أن نلحظ مساحات التقمّص الثقافي ومساحات الإبداع الذاتي. ليس خافياً أنّ قسطاً وافراً من تلك الحالة كان يعيد إنتاج ما يستقيه من بيئات خارجية، أو قد تنحو منحى بعد اتجاهات بعينها، حتى أنّ وفرة من "إبداعات" الفن التشكيلي أو الملصق السياسي المرصودة لم تجاوز نطاق "المدرسة السّوفياتية" مثلاً، وهو ما نورده بتحفُّظ شديد احتراماً لمن أبدعوا واجتهدوا.
ولن نعجب بعد هذا عندما نبصر مآلات الحالة الثقافية اليسارية في شقِّها الاعتمادي على الخارج، بعد حلّ الجهات المختصة بالدعم الثقافي والإشعاع الأيديولوجي في موسكو وأخواتها السابقات. فقد آل بعضهم إلى مثقفي منظمات غير حكومية تعتاش على أنماط جديدة من الدعم الثقافي والإشعاع الذي يزعم القطيعة مع الأيديولوجيا.
(٦)
في ذكرى ناجي العلي ما يحضّنا على تقليب النظر في مسائل شتى، منها نمط المصادرة الذي تعمد إليه "الدعاية الثقافية" بحقّ المبدع، فتضعها في قالبها الذي لا يكاد يتجاوز التيار أو حتى الفصيل السياسي أحياناً، كما جرى مع غسان كنفاني مثلاً في حالة الفصيل أو ما جرى مع أبي القاسم الشابي أو محمود درويش في حالة الدولة/ السلطة.
لقد انعتق صاحب حنظلة من الإصدارات الملوّنة أيديولوجياً (الطليعة) إلى فضاء التواصل الجماهيري الواسع (ممثلاً بالقبس والسفير)، وإن ظلّ وفياً لقيمه وملتزماً قضاياه، التي تتجاوز مربعات الأيديولوجيا والأحزاب.
وقد ظلّ ناجي العلي معروفاً بقميصه - غير المكوي ربما - ولم يظهر لنا بربطة عنق لأنها عنده رمز للطبقة المتكسبة من القضية والمفرِّطة بالحقوق."
 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث