يوسف العظم... صدى نداء الأقصى PDF طباعة أرسل لصديقك

بقلم:د. محمد توكلنا

1078 268113

ما أكثر الشعراء الذين دعَوا إلى نصرة المسجد الأقصى وبثّوا شكواهم من تقصير المقصرين وتواني المتوانين في الدفاع عنه وعن القدس الشريف , ولكن شاعرًا منهم تعالى نداؤه وارتفع هتافه وتلاحقت أنّاته في الغيرة على المسجد الأقصى والقدس حتى سمي (شاعر الأقصى) إنه المرحوم يوسف العظم , ولا عجب أن يحمل هذا اللقب بامتياز فهو يكاد يقصر شعره على القدس والمسجد الأقصى , إنه يتبنى شكوى أهل فلسطين من تقصير من يؤمل منهم الدفاع عنها ومقارعة محتلها , فهو يلقى شيخًا طاعنًا في السن في المسجد الأقصى ويستمع إلى شكواه ويترجم أنينه في قصيدة تفيض بالحزن والوجد. هذا الشيخ يتشكى وحيدًا ولا يرى حوله إلاّ صمتًا على النوائب والمصائب التي تقع ببلده وأهله , حتى إنه يشعر بالغربة وهو النائح بين الصامتين (البسيط) :

 

في ساحةِ المسجدِ المحزونِ حدّثني**** شيخٌ علي وجههِ الأيّامُ تَرْتَسِمُ

لمن أبثُّ شَكاتي والشفاهُ غدتْ**** خرساءَ ليس لها في الحادثاتِ فمُ؟
مَن ذا الذي هدّ مني ساعداً ويداً**** هل ضاع دربيَ أم زلت بي القدمُ

ويبدي الشاعر حسرته ويبين سبب شكاته وأسفه , إنه الذل والهوان الذي لحق بقومه , وبسبب وقوع القدس في يد مغتصبيها بكل ما فيها من الشعائر والمقدسات التي صارت راية الصهاينة تلوح فوقها :

لقد جَرَعنا كُؤوسَ الذُّل مُترَعةً**** والقدسُ في العارِ، والمحرابُ والحرمُ

والصخرةُ اليومَ باتتْ غيرَ شامخة        **** لأنّ نجمةَ صهيونٍ لها عَلمُ

وليست شكوى الشاعر شكوى المستكين المستضعف , وإنما هي شكوى الواثق من عودة الأمور إلى نصابها وزوال الاحتلال , فهو لا يفتأ يستنهض قومه ويستحث همتهم للانطلاق نحو القدس لكسر قيودها وطرد المحتلين من أرضها بالقوة والعزم المتين , وباستئساد الرجال الأبطال , حيث لم يعد للكلام قيمة ولم يعد للخطابات أية منفعة (المتقارب) :

إلى القدسِ هيّا نشدُّ الرحالْ**** نَدوسُ القيودَ نخوضُ المُحالْ
ونَمحو عنِ الأرضِ فُجّارها**** بِعصفِ الجبالِ وسَيلِ النِّضالْ
بعزمِ الأسُودِ وقصفِ الرُّعودِ**** ونارِ الحديدِ ونورِ الهلالْ

وتظهر الشخصية القيادية لشاعرنا فهو يدعو الأبطال للالتفاف حوله , ولينتفض الأسرى ولتدق طبول الحرب , فالقدس تنادي رجالاً أشاوس كعلي بن أبي طالب وبلال بن رباح - رضي الله عنهما – لتحريرها وطرد غاصبيها :
إليَّ إليَّ أسودَ الفِدا**** فما عادَ يُجدي مَقالٌ وقالْ
لقد حانَ يومُ انتفاضِ الأسيرِ**** وَدُقَّتْ طُبولُ الفِدا والنِّضالْ
ونادتْ رُبا القدسِ أبطالَها**** فأينَ عَلِيٌّ وأينَ بِلالْ

وينوّه بالوشيجة التي تربط المسجد الأقصى بالمشاعر المقدسة في بلاد الحجاز , فهو يزور مسجد الخَيْف بمِنى فيخاطبه ويبثه شجونه , ويذكر له أحبته في مدن فلسطين , وأن كل هؤلاء يتحفزون إلى أن يهبّوا جحافل لتحرير القدس وتطهيرها مما لحقها من قذَر مغتصبيها وأوثانهم (البسيط) :

يا مسجدَ الخَيْفِ, في الأقصى أحِبَّتُنا**** وفي  الخليلِ وفي حيفا وبَيْسانِ

تَهفو  قُلوبُهمُ  للزَّحفِ مُنْطَلقًا**** يُحَرِّرُ القدسَ مِن رِجسٍ وأوثانِ

ويهيب الشاعر بمن يحسب المسجد الأقصى مجرد أرضٍ وبناءٍ قائمٍ عليها بأن المسجد إنما هو جزء من أصل عقيدة المسلمين ولا شك أن دفاعهم عنه وفداءهم إياه إنما هو دفاع عن عقيدتهم وفداء لها (مجزوء الرمل) :

إنَما الأقصى عقيدَهْ**** ووسامُ وقصيدهْ

 وهْوَ صرحٌ أبتِ العلـ**** ـياءُ إلا أنْ تَشيدَهْ 

باركَ اللهُ حَواليـ**** ـهِ بآياتٍ مَجيدهْ

وهْوَ أرضُ النّورِ فيهِ الـ**** ـمُصطفى أرسى سُجودَهْ

وهْوَ رمزٌ للمَعالي**** زَيَّنَ التاريخُ جِيدَهْ

إنّما الأقصى عَقيدهْ**** فافتَدُوا تلك العَقيدهْ

وعلى الرغم من أن الشاعر ليس فلسطيني المولد أو النشأة إلاّ أنه يعلن انتسابه إلى فلسطين , ويتغنّى بذلك في أنشودة حماسيّة تتفجر بالعزيمة والإيمان (مجزوء الوافر) :

فلسطيني فلسطيني ***** فلسطيني فلسطيني

ويعلن أن انتسابه لفلسطين ليس انتساب المولد والنشأة , وإنما هو انتساب عقيدة , يترجمه بمسيره في طريق الله والإيمان والدين , وكذلك فإنه يمجد معركة اليرموك التي أعزّ الله فيها المسلمين , ويتوق إلى معركة تكون كمعركة حطّين التي أذلّ الله فيها المحتلين الصليبيين :
ولكنْ في طريقِ اللهِ ***** والإيمانِ والدِّينِ

أهيمُ بِرايةِ اليَرمو ***** كِ أهوى أختَ حطّينِ

إن ذكريات تلك الانتصارات تثير في نفسه كوامن الطاقة وتبعث فيه براكين الغضب , ليهبّ فينتزع حقه من غاصبه ويحرر أرضه من عدوه بالاعتماد على ربه الذي يتولى نصره وحمايته :

تُفجِّرُ طاقتي لهَباً ***** غَضوباً مِن براكيني
لأنْزِعَ حَقِّيَ المَغصو ***** بَ من أشداقِ تِنّينِ
وأرفعَ رايةَ الأقصى ***** وربُّ البيتِ يَحميني

ويشتد عجبه ممن يدّعون أنهم حماة المسجد الأقصى بينما تقتصر حمايتهم على كلام ليس منه أي طائل , وما هو إلا جعجعة من غير طحن , ثم إنهم يذهبون إلى مجلس الأمن يطلبون منه أن ينصفهم ويدين عدوّهم , وكأنهم لا يعرفون أن ذلك المجلس إنما هو عصابة متآمرة مع عدوهم عليهم (الخفيف) :

يا حماةَ الأقصى الجريحِ أفيقُوا   ***** أينَ أقصــاكمُ الَذي تَحمونـهْ

قد ملأتُمْ رَحبَ الفضاءِ كلامـًا ***** وأثَرْتُـم منَ الحديثِ شُجونَـهْ

ومضيتُم لمجلسِ الأمنِ ضَعفـًا ***** وهَوانــًا وذِلَّــةً تَرجونَـهْ

أنْ يُدينَ العدوَّ يا لهفَ نفسـي ***** كيف نَرجو عصابةً أنْ تُدينَـهْ؟

ويلتفت مخاطبًا المسجد الجريح , مطَمئنًا إياه أن له عهدًا في صدور المسلمين , عهد وفاء لا يمكن أن يخونوه , ولا يمكن أن يتخلوا عنه مهما جرى , فما هو هذا العهد؟ إنه العهد حين ترتفع راية رسول الله عليه الصلاة والسلام وتنشر دعوة الله في الناس أن ينطلقوا لتحرير القدس وتروية صخرتها وقباب مسجدها بدماء المجاهدين :

أيها المسجدُ الجريحُ ســلامٌ ***** لكَ عهدٌ على المَدَى لن نَخونَهْ

إنْ عَلَتْ رايةُ الرّسـولِ ودَوَّتْ ***** دعوةُ اللهِ وهْيَ فينــا سَجِينَهْ

أنْ تَسيلَ الدِّمــاءُ حتى تُرَوّي ***** صخرةَ القدسِ والقبابَ الحَزينَهْ

وتندلع نار الانتفاضة , انتفاضة الحجارة في وجه عصابة المحتلين فيتهلل الشاعر ويفيض البشر من معين شعره , فهو يرى هؤلاء الأبطال الذين يرمون الحجارة في وجوه المحتلين إنما هم الأطيار الأبابيل الذين أهلك الله بأسلافهم جيش الفيل , إنهم يحوّمون في ساحة المسجد الأقصى وحناجرهم تصدح بذكر الله تعالى وتلاوة كتابه الكريم , إنه الشعب المؤمن الذي لم يعد يثنيه عن عزمه جور المحتلين وظلمهم , وها هو هتافهم يتعالى بالتكبير والتهليل , إن الحجارة حينما تتكلم في يد المنتفضين فلا بد أن يسقط البغي وتسقط أساطيره (البسيط) :

حجارةُ القدسِ نيرانٌ وسِجّيلُ  ***** وفِتْيةُ القدسِ أطيارٌ أبابيلُ

وساحةُ المسجدِ الأقصى تَموجُ بهمْ ***** ومَنطقُ القدسِ آياتٌ وتنـزيلُ

والشَّعبُ يَزحفُ إيمانًا وتَضحيةً  ***** ما عادَ يُوقِفُ زحفَ الشعبِ تَنكيلْ

وصيحةُ الشعبِ حُرًّا في تَدَفُّقِهِ   ***** منَ المساجدِ تكبيرٌ وتَهليلُ

تَكَلَّمَ الحجرُ القُدسيُّ فانتفضَتْ   ***** سواعدُ الصِّيدِ وانْدَكَّتْ أباطيلُ

إن شاعرنا لا يفوته في أي مناسبة شعرية أو دينية أن يذكّر بجراح أمته , ولا ينسى أن ينبه إلى سلاح مهمّ غفلت الأمة عن استعماله , ألا إنه سلاح النفط , فلا بد من أن يحول النفط نارًا تحرق بها عصابة المغتصبين وأعوانهم ومواليهم , ولا بد مندحرهم وإخراجهم من الأرض المحتلة , وفي الوقت ذاته يستخدم النفط في منفعة الأمة وبناء البلاد وفي كل ما يعود على أصحابه بالخير والنماء (البسيط) :

ذكّرتُهُمْ بفلسطينٍ تَسيلُ دَمًا *****  جِراحُها وبِحقٍّ ضاعَ أو سُلِبا

وعشتُ للأمَلِ المَرْجوِّ أرقُبُهُ   ***** أنْ يصبحَ النِّفطُ في تاريخِنا غَضَبا

يَكوي جِباهَ العِدا مِن غيرِ مَرْحَمةٍ *****  وفي حِمانا يُرى  كالغيثِ   مُنْسَكِبا

بِرًّا وخيرًا وإيمانًا وتَضحِيَةً   ***** وجَحفلاً ظافرًا في زَحفِهِ لَجِبا

ويتجلى الأمل بالعودة في قصيد شاعرنا بيّنًا واضحًا, فهو على يقين أن هذه الأمة التي فاخرت بها القدس وقباب المسجد الأقصى لا بد أن تتابع المسير إلى أن تعود المقدسات إلى أهلها , ولن يغمد سيف الجهاد حتى يتحقق النصر والتحرير (السريع) :

والمسجدُ الأقصى ومحرابُهُ ***** يحنو علينا رُكَّعًا سُجَّدا 
قِبابُهُ كانت تُناجي العُلا ***** وأرضُهُ كانت مَنارُ الهُدى
تُحدِّثُ الأكوانَ عَن زحفِناوقد بَسَطْنا لِلمعالي يَدا
وهامةُ الفاروقِ مَرفوعةٌ ***** أَكرِم بها في قُدسِنا مَشهَدا
يُعلي لِواءَ العدلِ تكبيرهُ ***** ويَصنَعُ الأمجادَ والسّؤْدُدا
يا قدسُ إنْ طالتْ بنا غَيْبَةٌ ***** سَيفُنا يا قدسُ لن يُغْمَدا

وبعد فلا غرو أن يستحق شاعرنا – رحمه الله – لقب شاعر الأقصى , فهو لم يزل يدور في فلك الأقصى والقدس , ويتغنى بهما ويستنهض الهمم , همم كل المسلمين لحشد الصفوف والزحف نحوهما , ولم يتوان عن الدعوة إلى نصرتهما إلى أن أسلم الروح لبارئها.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث