" عاشق من فلسطين " لمحمود درويش ديوان البراءة الشعرية والنقاء الوطني PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : محمود مفلح

image069

أن أعود إلى الوراء كثيراً وعلى وجه التحديد إلى عام 1966 م لأكتب عن ديوان " عاشق من فلسطين " للشاعر الكبير محمود درويش وهو الديوان الثاني له بعد " أوراق الزيتون " أمر يدعو إلى التساؤل لأن هذا الديوان يعتبر من بواكير شعر محمود التي تبرأ منها بعد وعلى أحسن تقدير فإنه اعتبرها على هامش مشروعه الشعري الذي تطور كثيراً فيما بعد ، لأن محمود خاض تجارب فنية واختبارات مرهقة حتى وصل إلى ما وصل إليه من نجومية وعالمية حتى آخر قصيدة كتبها في مشفاه قبل رحيله بساعات وهي / لاعب النرد /

ومحمود نفسه يقول " لم أعد أعبر عن اللحظة السياسية الفلسطينية بل عن إنسانية الفلسطينيين وانتقلت بالتالي من النمط إلى الإنسان أي أنني أطرد من صياغتي الخطاب السياسي البطولي وأتعمق في " تراجيديا " الشرط الفلسطيني وفي جمالية هذه التراجيديا" وماذا يعني هذا الكلام إلا أن شاعرنا الكبير لم يعد يعنى بمفردات الحياة الفلسطينية ، وخصوصية الكفاح الفلسطيني؟ وبكلمة موجزة لم يعد الناطق الشعري باسم فلسطين النازفة ، كما كان في دواوينه الأولى بل أضاف " إنني على استعداد لأن أفقد نصف جمهوري لأنني أخوض تجربة ابداع عالمية "
رغم احترامنا لكل ما قاله شاعرنا الكبير إلا أن للقارئ موقفاً جديراً بالتأمل وقد يختلف عن الرؤية الشعرية للشاعر .
وقد يجد هذا القارئ من صفاء اللغة وحرارة التجربة وصدق التعبير ـ ووضوح الرؤية في الأعمال الأولى للشاعر ما يدفعه إلى الوقوف عندها .. والانجذاب إلى سحرها ...
وهذا ما دفعني للكتابة عن / عاشق فلسطين / الذي أصدره الشاعر وهو في ريعان شبابه لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره وهذا الديوان كما أسلفت يمثل البراءة الشعرية والنقاء الوطني بامتياز استمع إليه يقول عن فلسطين

عيونك شوكة في القلب
توجعني وأعبدها
وأحميها من الريح
وأغمدها وراء الليل والأوجاع ... أغمدها
فيشعل جرحها ضوء المصابيح
ويجعل حاضري غدها
أعز عليَّ من روحي "

هذه فلسطين الشاعر عندما يغرس شوكها في القلب عندما كان ملتصقاً بترابها ، متضرجاً بعبير ليمونها !

" أحب البرتقال وأكره الميناء
وأردف .. في مفكرتي على الميناء
وقفت وكانت الدنيا عيون شتاء
وقشر البرتقال لنا ... وخلفي كانت الصحراء " !

هذه الأغنية الخضراء هي أغنية التشبث بالأرض أغنية البرتقال والزيتون الضارب في أعماق التربة !

" سأكتب جملة أغلى من الشهداء والقبل
فلسطينية ً كانت ولم تزل ! "

ثم يتابع هذا العزف الشجيّ على قيثارته الفلسطينية مؤكداً هوية فلسطين بكلمات يفوح منها الإصرار :

فلسطينية العينين والوشم
فلسطينية الاسم
فلسطينية الأحلام والهم
فلسطينية المنديل والقدمين والجسم

ولا يلام الشاعر في تكرار كلمة " فلسطين " في شعره ، أو تكرار كلمات بعينها ، لأنه يقاوم محاولات شرسة من عدو حاقد لطمس هويته . وتهميش تاريخه على هذه الأرض ، وتغيير معالم كل شيء في وطنه ، الساحات ، الشوارع ، اسماء القرى حتى أسماء الناس...
هذه هي بواكير " محمود " الأولى وهذه لغته ..
وفي قصيدة أخرى بعنوان "صوت وسوط " نلاحظ احتفال الشاعر بالجانب الجمالي من النص دون إهمال المضمون وفيها يقول :

" يا شامخين على الحراب
الساق تقطع والرقاب
والقلب يطفأ لو أردتم والسحاب
ودمي المملح بالتراب
إن جف كرمكم ... يصير إلى شراب !! "
إلى أن يقول :
" لكن صوتي صاح يوماً لا أهاب " !

كان هذا الوضوح الشعري عند محمود درويش قبل أن يدخل في اللعبة الشعرية الجديدة وتفتنه الحداثة التجريدية وتستنزف طاقته في تكسير الأبنية واختراق انظمتها وقبل أن يؤمن بأن " الإبهام " ملمح لازم للشعر ، ويتوغل في الدراما الشعرية التي اختارها منهجاً للتعبير.. "
ولا يضر محمود في مراحله الأولى أن يكون متأثراً بأعلام الشعر الفلسطيني قبله من أمثال عبد الكريم الكرمي وابراهيم طوقان ويوسف الخطيب وعبد الرحمن محمود وسواهم ..، أولئك الذين ابتعد عنهم كثيراً فيما بعد .. ولم تبق إلا ظلالهم الخافتة جداً في شعره ...
ولكننا رغم كل ذلك لا نزال نطرب لهذا الشاعر النابض بالوطنية والقابض على جمر البقاء على أرض الوطن ، استمع إليه يقول في كلمات بسيطة ولكنها مغسولة بماء الشعر الجميل :

" يا أمي جاوزت العشرين
فدعي الهم ونامي
إن قصفت عاصفة في تشرين
فجذور التين راسخة في الصخر وفي الطين
تعطيك غصوناً أخرى وغصون ! "

كأني وأنا أقرأ هذا الشعر الصافي لمحمود أستحضر صورة ذلك الشاب الفلسطيني حتى النخاع ثقافة وهماً وانتماء ولغة أيضاً قبل أن تقتحم تجربته الفنية أفكار ورؤى وقناعات وتأثيرات ابتعدت به كثيراً عن هذا المناخ أو عن البئر الأولى إن صح التعبير .
حتى قصائده التي راجت كثيراً كانت تستمد رواجها من عفويتها وحرارتها ونبضها الفلسطيني مثل :

" أحن إلى خبز أمي ..
وقهوة أمي ولمسة أمي
وتكبر فيّ الطفولة يوماً على صدر أمي
وأعشق عمري لأني إذا متّ أخجل من دمع أمي "

هذا الجمال هو سر الموهبة الفطرية لقد عثر محمود على كنوز الشعر في طين فلسطين وصاغ من قسوة البؤس والحرمان والاضطهاد جماليات شعره وآلية دفاعه الشعري " عن الحياة التي أفسدها المغتصب بأنفاسه النتنة وظله الثقيل ..
علينا لكي نشبه أسماءنا أن نحج مراراً إلى أول أرض سقطنا عليها ولم نضطرب !
هكذا تتنفس القوافي في شعر محمود في هذه الفترة المبكرة عبير البرتقال وهكذا تبدو فلسطين بكامل زينتها ساطعة في أكثر قصائده .
" أحن إلى خبز أمي "
قلَّ أن تجد مثفقاً أو متذوقاً للشعر لا يحفظها أو يحفظ بعضاً منها ، لا لشيء إلا لأنها منسوجة بخيوط عاطفية صادقة تستمد من البيئة الفلسطينية نسغها الجمالي ، وتحمل في ثناياها أقدس وأنبل فكرة والشاعر فيها انطلق على سجيته لم يتكلف صوره ، ولم يلهث وراء خيال غريب ولم يثقلها بالرموز والأساطير .. التي شاعت في شعره فيما بعد وعندما تكون القضية هي هم الشاعر وهاجسه تراه يقول :

وأنسى في طفولتها عذاب طفولتي الدامي
وأشرب كالعصافير الرضا والحب من يدها

وما أصدق ما قاله في قصيدة " شهيد الأغنية " التي تصور تجربة السجن التي عاناها!! ... وكيف برزت فيها نبرة التحدي لعدوٍّ لثيم :

" يا أنت قال نباح وحش
أعطيك دربك لو سجدت أمام عرشي سجدتين
ولثمت كفي في حياء مرتين !
أو تعتلي خشب الصليب ، شهيد أغنية وشمس
ما كنت أول حامل اكليل شوك لأقول للسمراء ابكي "

وكلمة الصلب والصليب وخشب الصليب وإكليل الشوك
كلها مفردات دينية مسيحية تأثر بها الشاعر ... بسبب نشأته في بيئة ثقافية تؤمن بهذه المفردات ؟؟ قبل أن ينتشر الوعي الفكري الإسلامي في أرضنا المحتلة ويؤسس لغة جديدة في الخطاب الأدبي .
غير أن هذا لا يمنع من القول إن غنى قصائد محمود في هذه المرحلة تتأتى من سعة اطلاعه ، وشغفه بالطبيعة وموهبة فذة بدأت تفصح عن نفسها منذ أشعاره الأولى ومما أنضج هذا كله ظروف الاحتلال القاسية التي فتح محمود عينيه عليها :
ولا يخفى على القارئ أن الأغنية في عنوان القصيدة تعني أغنية الحرية والشهيد هو الذي دفع دمه ثمناً لها .
" وقصائد السجن " في هذا الديوان هي الموجة الأعلى ، والوتر الأصفى فاستمع إلى قصيدته الشهيرة " برقية من السجن "

" من آخر الشعر طارت كف أشعاري
تشد أيديكم ريحاً على نار
أنا هنا ووراء السور أشجاري
تطوع الجبل المغرور أشجاري
مذ جئت أدفع مهر الحرف ما ارتفعت
غير النجوم على أسلاك أسواري
وما أبلغ الصورة الشعرية في القصيدة ذاتها !
في حجم مجدكم نعلي وقيد يدي في طول عمركم المجدول بالعار
في اليوم أكبر عاماً في هوى وطني
فعانقوني عناق الريح للنار ... !

في خطوات القصيدة يتعرف المعنى على إيقاعه ، وخيال محمود درويش المحلق في أكثر نصوصه هو القوة التي بوساطتها تستطيع صورة معينة أو إحساس واحد أن يهيمن على عدة صور أو أحاسيس، وإحساس الشاعر هنا هو الشعور بالظلم والقهر هذا الإحساس هو الذي فجر شظايا القصيدة والتماعاتها كما يسعى الشاعر بشكل واضح إلى الابتعاد عن المألوف من الصور والعبارات وقد حقق في هذا الديوان المبكر الكثير من النجاح ولا أدل على ذلك من قوله " في حجم مجدكم نعلي " .
وقيد يدي في طول عمركم المجدول بالعار !"
في هذا التعبير الشعري الحاد / في حجم مجدكم نعلي / يختزل محمود كل نقمته ونقمة شعبه على هذا العدو البغيض .
ولا يكاد شطر في النصر ينجو من صورة بلاغية مؤثرة /كف أشعاري /مهر الحرف/ / أساور أشعاري / عناق الريح للنار / الخ
وكلها صور حديثة اجترحها خيال جامح وثقافة واسعة بالإضافة إلى الإيقاع الموسيقي الذي زاد النص قوة وتأثيراً هذا الإيقاع الذي ولده البحر البسيط " وهو بحر شائع الاستعمال زاخر بالطرب .
أما قصيدة / السجن / التي يقول فيها

" تغير عنوان بيتي ، وموعد أكلي
ومقدار تبغي تغيّر
ولون ثيابي ووجهي وشكلي وحتى القمر
عزيز علي هنا ... صار أحلى وأكبر !"

فإنها لا تصدر إلا عن شاعر مرهف الإحساس عانى وراء القضبان ما عانى ! فالمعاني التي ولدتها الصياغات البسيطة الدارجة هي معان خاصة بالسجن ولا يدرك قيمتها وأبعادها .. وظلالها ... إلا السجناء !
وقد بلغت تجربة شاعرنا الفنية في هذا الديوان مداها في قصيدته " مطر " التي كثف فيها الرمز والإيحاء مازجاً بين الواقع والخيال إذ يقول :

" ناري وخمس زنابق في المزهرية
وعزاؤنا الموروث في الغيمات ماء
والأرض تعطش والسماء تروي .. وخمس زنابق شمعية في المزهرية "

هذا الاستخدام لرمز / الزنابق الشمعية / يعني جمود الحياة تحت ظل الاحتلال " كما لا تخفى السخرية من الموروث الذي يرضى بالواقع ويقول إن كل شيء مقدر ومقسوم!!

" لنقل مع الأجداد خير
هذا مخاض الأرض خير
تضع الوليد غداً ربيعاً أخضرا
كعيون سائحة أطلت ذات فجر
لا الأم أمي .. لا الوليد أخي
ولا ذات العيون الخضر لي .. وأقول خير !! "

ثم يوضح الشاعر موقفه الرافض في المقطع الذي يليه إذ يقول :

يا نوح هبني غضن زيتونٍ ووالدتي حمامة
إنا صنعنا جنة كانت نهايتها صناديق القمامة !
" يا نوح " لا ترحل بنا .. إن الممات هنا سلامة !

هكذا كان محمود درويش في أعماله الأولى واضح الانتماء لفلسطين ، شديد التعلق بها، يستخدم أسلوباً سهل الهضم ، ولكنه بالغ التأثير الشعبي ولهذا فقد لقيت هذه القصائد رواجاً كبيراً .
ولحن بعضها ملحنون وغناها كذلك مغنون ، فامتلأ شعره آنذاك بمفردات الحياة الفلسطينية وسال في شرايين قصائده الدم الفلسطيني الحار ، ولم أجد في هذه القصائد إلا فلسطين موضوعاً وهاجساً منطلقاً ومنتهى ، هذه القصائد هي وثائق .. في نضال أهل فلسطين سجلت لهذا الشاعر الكبير تاريخاً نضالياً مبكراً .
وإذا كانت الأنهار تجري بقوة الينابيع فإن الينابيع غذت نصوص محمود الأولى كانت صافية ووطنية أما قصائده اللاحقة فقد تملكها هاجس الحداثة أو الحساسية الشعرية الجديدة التي تقول إن العالم كله يخرج من نظام معرفي اقتصادي أخلاقي ويدخل في نظام جديد ولم يعد القارئ العادي قادراً على تذوق شعره الجديد فضلاً عن التفاعل معه ... حتى قيل إن محمود هو شاعر النخبة المثقفة في الوطن العربي !!
وخفت الإيقاع في قصائده الجديدة وأصبحت أقرب إلى النثر بعد أن اشتغل الشاعر على الدراما الشعرية المزدحمة بالأساطير والميثيلوجيا وآمن أن الشعر لعب جميل بالخيال واللغة للخروج من ضغط حالات الحصار الوجداني " وراح يكتب قصائد مطولة توظف تقنيات سردية مركبة ورغم كل ذلك " فإن الشاعر الكبير محمود درويش تجاوز المحلية ليخوض تجربة إبداع عالمية بامتياز وتطورت القصيدة العربية على يديه تطوراً مذهلاً حتى شغل القراء والنقاد ، وأصبح له مريدون يملؤون الساحة ومن حق فلسطين أن تفخر أنها أنجبت شاعراً كبيراً من طراز محمود درويش .

 

التعليقات  

 
+7 #7 د محمد صالح رشيد الح 2014-04-15 03:51
يبقى محمود درويش علامة ثقافية وشعرية في جبين الأمة.. والمسمار المنتظر لتابوت الاحتلال الصهيوني العنصري الظالم.
اقتباس
 
 
-4 #6 nouhaila 2013-11-29 15:18
:D
اقتباس
 
 
0 #5 omar 2013-09-16 14:41
:D :D :D :D :D :D :D :D :D
اقتباس
 
 
+2 #4 محمد الزاهي 2013-04-25 20:43
الف شكرا على المجهود
:lol: :-) :roll: 8)
اقتباس
 
 
-1 #3 محمد الزاهي 2013-04-25 20:41
:lol: :-) :roll: 8) :lol: :-) :roll: 8)
اقتباس
 
 
-2 #2 ghoufran al mseetif 2012-11-09 17:47
الموقع جميل جدا شكراااااااااااا ا
اقتباس
 
 
+4 #1 alaa alkhaldi 2011-06-08 13:24
السلام عليكم

لقد استفدت من هذا الشرح للشاعر الكبير محمد درويش في مادة الادب المقارن والتي تقدم باللغة الانجليزيه لكلية الاداب في الكويت
اقتباس
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث