الشعر الصهيوني والحساسية المفرطة تجاه الآخر PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم : د. حسن الباش

د. حسن الباش

ربما تصل مفردات الدعاية الصهيونية إلى حد يفوق أي تصور وذالك بسبب استغلال هذه الحركة لكافة النواحي النفسية التي يعيشها الإنسان اليهودي وخاصة زمن الحرب و الصراعات.
والواقع أنه ما من عقدة نفسية سلبية إلى و جيّروها لدعايتهم بحيث راحوا يقحمون الأزمات النفسية والمصائب النفسية كالرعب وعدم الأمان وكره الآخر على الشخصية اليهودية. فأي رعب يصل حد المرض يجب أن يكون ليهودي عانى من النازية أو غيرها من الحركات الغربية التي وقفت من اليهود موقفا سلبيا. وأي حروب عدوانية يجب أن يُحشر اليهودي ليكون هو المهدد بالنفي والقتل و الملاحقة.

وهكذا لم تسلم أي عقدة نفسية سلبية إلا وجعلوها صفة من صفات اليهودي الذي اضطهد ويضطهد على الدوام، لذالك سنرى العديد من الأزمات تنعكس على العمل الشعري الذي يقدمه الشعراء الصهاينة.
والملفت للنظر أن الحركة الصهيونية نظرت إلى أي إبداع شعري فردي يهودي على انه إبداع لفكرة الصهيونية إن كانت الفكرة تصب في منحى إيجابي أو سابي.
وهذا ما ينطبق على الشاعر اليهودي (آبا كوفنر) فهو شاعر يهودي من أوربا الشرقية وكانت العبرية لغته ولغة عائلته منذ أن كان في بولونيا أيام الحرب العالمية الثانية. هاجر هذا الشاعر إلى فلسطين وأصبح جنديا في الجيش الصهيوني وقد نشر العديد من القصائد التي تعبر عن فردية مقرفة ومفرطة. لكن الحركة الصهيونية قدمته وقدمت ما أنتجه من شعر على أنه يعبر عن حساسية مفرطة تجاه ما تعرض له الإنسان اليهودي من اضطهادات حسب زعمهما .
وفي جميع الأحوال فإننا حين نقرأ شعره سنرى أنه صهيوني منظم يعرف كيف يجبر قلمه لخدمة الأفكار الصهيونية وخاصة فكرة الحساسية المفرطة تجاه الآخر .
من أهم ما نشره هذا الشاعر مجموعة شعرية تقع في خمسة فصول وستة وأربعين مقطعاً هي بعنوان أختي الصغيرة .قد ترجمها من العبرية ياسين طه حافظ. ونشرت بعض مقاطعها في مجلة الأقلام العراقية.
ماذا نرى في هذه القصيدة: في القسم الأول منها يقول الشاعر (آبا كوفنر)

جاءت وكما من جدار
حلقة من حديد رنّت
على كتل من جليد
أخذوها / مسحوها
وكما يمسكون بوجه رجل من برنز
وحتى ضوء الفجر
ومع البكاء و الأيدي الضارعة
ظل صوت الرنين يتوسل
يطلب الخلاص من الجليد
الانفلات من الصمت القاتل.

من الواضح في هذا المقطع أن الرمزية تطفي على الجمل والعبارات ولكننا حين نفكك هذه العبارات منفردة. نرى – أخذوها- مسحوها- البكاء- الأبدي- الضارعة –الخلاص- الصمت القاتل.
فحسب تفسيرات النقاد اليهود الذين درسوا أشعار هذا الشاعر يرون أنه إغداق في الفردية ولكن المفردات التي أوردناها تدل على حالة نفسية اغترابية يعيشها الشاعر ويريد أن يسقطها على النفسية اليهودية التي تعيش حالات البكاء والدعاء و الخلاص و الصمت القاتل.
وحينما يأتي الشاعر بالمقطع الثاني يتضح لنا أن مفردات المقطع الأول جاءت لتمهد لما يقوله في المقطع الثاني الذي يقول:

من هنا تسهل رؤية عالم الأحياء
من هنا كل العالم يراقب وجهي
وهو يذوب بالزرقة
أختي في الجدار
والمهاجم عند الأبواب
يرتدي ثوب الليل الثقيل
وأقدامه عارية
يتحسس خلفها

إذا هذا هو الإسقاط الذي يريده، فتاة يهودية يتصورها الشاعر على أنها أخته .
هي تلتصق بالجدار و هي خائفة مرعوبة تتوقع في أي لحظة مهاجمتها من قبل الآخرين الذي يترصد لها عند الأبواب . وعندما يصفه الشاعر يقول: إن المهاجم يرتدي ثوب الليل الثقيل كناية عن بشاعته وإرهابه وشكله المخيف. وهو عاري القدمين ويتجسس خلف الأبواب لينقضّ على الطفلة أخت الشاعر المفترضة.
ومن الواضح أن الفكرة الصهيونية الأساسية التي قامت على تصوير الآخرين كالوحوش الذي يريدون الانقضاض على أي يهودي .يجيرون مثل هذا الشعر ليخدم فكرتهم ويستدرون عطف الآخرين ، ولعل الشاعر أراد أن يلفت نظر القارئ إلى حالة إنسانية صرفة كونته استخدام شخصية فتاة صغيرة "يهودية" ولأنها يهودية تعيش حالة من الرعب والترقب و الانتظار ، ويأتي القسم الآتي من القصيدة الطويلة ليفصح فيه الشاعر عن المنحى نفسه، منحى الرعب المرتقب.
يقول:

بعيدا بعيدا /تقع المدينة/
الجسد ما يزال دافئاً
الأجراس / تقرع/ أنت لم تشاهد مدينة أسقطت على ظهرها
مثل فرس غارقة بدمها/ تترافس مجنونة حوافرها

ثم يقول:

تسع أخوات صغيرات
يتراكضن في رعب
أثوابهن تطفو في الريح
واحدة خلف أخرى

فهنا يتجسد المشهد في مدينة غارقة بالدماء والخوف والرعب وفي هذه المدينة أحياء من اليهود. وعائلات منكوبة ، ويعود ليستخدم تلك العاطفة الإنسانية عندما يصور الفتيات التسع وهن أخوات مرعوبات يتراكضن في هذه المدينة الغارقة بالدم. ولسرعة ركضهن تطير أثوابهن مع الريح لشدة الرعب و الركض في اتجاهات غير محدودة.
إننا نعتقد أن الشاعر الذي يفرق بين الرمز والفردية يعيش حالة استحضار قديمة و يضخمها ، فهو يعيش ذكرى الحرب العالمية الثانية ، لكنه حين يتحدث عن جانب من جوانبها يستحضر تصورات إنسانية عن أطفال يخافون يرتعبون يركضون وهؤلاء الأطفال من اليهود ، فعلى الذين يقرؤون هذه القصيدة أن يتعاطفوا معهم ومع المشروع الصهيوني الذي يريد حسب زعمهم إنقاذ هؤلاء من الرعب ومن هذا الموت المتوقع في كل لحظة.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث