الشعر الصهيوني و عقدة الانفصام الشخصي PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم: د. حسن الباش

حسن الباش

خاص بيت فلسطين للشعر
الانفصام يكون سمة عامة لأكثر الشعراء الصهاينة في الأرض المحتلة ،أما لماذا هذا الانفصام ؟فهناك أسباب كثيرة منها ما هو شخصي بالمطلق ومنها ما هو موضوعي خلفته الظروف لكن الأهم من ذالك أن هذا الانفصام ليس ذا بعد إنساني ، إنما هو انفصام بسبب الصراع بين نقيضين نفسيين ، الأول محاولة الخروج من ألا إنسانية التي فرضتها أفكار الحركة الصهيونية و الثاني محاولة الالتزام بتنفيذ ما تمليه على الشاعر قيادة الصهيونية أو العسكرية أو الكهنوتية وهذا ما ينطبق على الشاعر الصهيوني آبا كوفر. وقد تناولنا قصيدة لهذا الشاعر في حلقة سابقة وبسبب اعتراف النقاد الصهاينة أن الشاعر آبا كوفر من كبار الشعراء الذين كتبوا بالعبرية وذاع صيت شعرهم في أوساط عديدة رأينا أن نتناول قصيدة أخرى للشاعر حتى تضاء عقدة الانفصام التي يتميز بها.

يقول كوفر:

لا تتصور أحدا أجمل من مريم
إلهي يا إلهي أبعد عني
أبعد خطوات أميري
آه يا أنت التي أمرتنا أن نكون أطفالا صغارا
هادئين و مرتعبين
اليوم الذي عدت فيه
وقطع طريقي قط أسود.

يلفت نظرنا الاحتجاج الداخلي و الاغتراب الشخصي حين ينادي مريم التي أمرت أن يكون الشاعر وأمثاله من الرجال و البشر أطفالا صغارا هادئين مرتعبين .
في التحليل الظلالي فإن الشاعر يرمز بمريم إلى العالم المسيحي الذي عاش فيه يهود أوروبا قبل أن يحتلوا فلسطين . فالمسيحية الغربية وخاصة في روسيا وألمانيا تشكل ثقلا نفسيا على صدور اليهود الذين عاشوا في الفيتوات معزولين، وهذا الثقل يأتي من خلال ما كانت تأمر به الحكومات الغربية يهود بأن يكونوا في حالة سكوت أو رعب أو ترقب.
وعندما يقول الشاعر اليوم الذي عدت فيه وقطع طرقي قط أسود . فالرعب المتأصل في نفس الشاعر يحول كل شيء إلى سبب للرعب فلم يرى قط أبيض أو أحمر ، بل يرى قط أسود وهذه كناية عن الرعب الذي كان يعشعش في أعماق نفسه . فالظاهرة هنا هي ظاهرة الرعب وحضور الإنسان المهدد الخائف . ويرى بعض النقاد أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالشعراء الصهاينة بل هي ظاهرة قد تعمم على شخصيات شعرية اغترابية أو انفصامية
ثم يتابع الشاعر قوله:

اليوم الذي بكيت فيه من أجل ابنة الجار
التي عثرت على بدلة عرسها
آه لذالك اليوم العابس حيث تغلغل الخوف
في الليل\ في كل صبات عظامي
وقطع زجاج النافذة أظفاري.

فهنا يسقط الشاعر حادثة متخيلة موجزة تعبر عن استمرار الرعب والخوف المتأصل فيه وهو يبكي. من أجل ابنة الجار المقتولة أو المخطوفة و التي لم يعثر عليها بل عثر على بدلة عرسها . بمعنى أن ابنة الجار كان يوم زفافها ولكنها لم تزف بل اختفت من الأعين بسبب قتل أو خطف لذالك يتنهد الشاعر ويقول آه لذالك اليوم العابس وهذا اليوم العابس الأسود يتغلغل خوفا ورعبا في الليل و في كل عظامه . وهذه الحالة الاغترابية المرعبة يصنعها خيال الشاعر المندمج تماما مع التوترات النفسية العالية.
أما لماذا؟ فنحن نرى أن الشاعر الصهيوني الذي تربى على أفكار التوراة و التلمود و عنصرية الحركة الصهيونية وقع في مطب نفسي كبير . فهو من جهة انزرع من نفسه الخوف من الآخر أو الخوف من العالم و الارتعاب ممن يحيطون به من البشر . وفي الوقت نفسه تطلب منه الصهيونية أن يرى هذا الرعب و هذا الخوف إلى الأخر عن طريق قتل وغيره. والقتل هو ذالك الموجه إلى فلسطين في الأرض المحتلة.
و يتابع الشاعر:

كل يوم أحد/ تهتز نافذتي من أجراس سنت ماري
كل يوم أحد / يخرس قلبي أرتج من رعب السقوط في الهاوية
آه لذالك لذلك الذي أمرنا لأن نكون أطفالا صغارا
أكثر هدوءا من النار.

فالشاعر يوحي بوجود اليهودي في بلد مسيحي فهو يقول لكل يوم أحد يسمع أجراس كنيسة سنت ماري ، وفي العادة يفرح المسيحيون أو بالأحرى يدركون أن سماع أجراس كنيسة الأحد يوحي بعيد صغير لهم فيرتاحون وقد يحتفلون احتفالا صغيرا بهذه المناسبة الأسبوعية لكن الشاعر كونه يهوديا عاش في أوروبا فإن أجراس الكنائس ترعبه. بل بل ترتج نافذة بيته وهذا الارتجاج أيضا يخلق في شعوره الكثير من الرعب و الاغتراب لذالك هو يقول كل يوم أحد يخرس قلبي . وهذا أمر طبيعي بالنسبة لليهودي الذي يكره الآخرين ويكره رموزهم الدينية .
و نلاحظ هنا حالت التضخيم التي يعبر عنها الشاعر بقوه يخرس قلبي ، ارتج من سقوط الرعب في الهاوية . كل ذالك بسبب سماع جرس الكنيسة . أليس هذا يدل على حقد بالغ كبير على المسيحية و رموزها؟ ومن يحقد على المسيحية و المسيح سوى هؤلاء اليهود الصهاينة المتعصبين و العنصريين.
و يقول في مقطع لاحق :

صباح اعتيادي
ضوء كل نجمة مازال متميزا
ونقطة ضوء لامعة ظهرت
مثل بالون تائه
أختي تحاول أن تمسك ذالك البالون

إن ما يلفت نظرنا هنا توظيف الشاعر لحالة الاغتراب أو حالة الانفصام في خدمة خصوصية الشخصية اليهودية. على الرغم من أن حالة الانفصام قد لا تقتصر على الشاعر اليهودي دون سواه ، ولكن الشاعر من جهته و كذالك الحركة الصهيونية من جهة أخرى توظف حالات الاغتراب و الانفصام و الرعب و الخوف و التهديد لخدمة أفكارها القائلة بأن اليهودي مهدد دوما بالاغتراب و الرعب والخوف بسبب كره الآخرين له حسب مزاعمهم و تفكيرهم ومخططاتهم التربوية و النفسية .
و يقول في المقطع الأخير .

خلال قضبان النافذة المتجمدة
انسلت فراشة الضوء
وأختي مدت يدها
بقطعة من ثوب لعبتها الحرير
لتمسك تلك الفراشة
لم تيأس.

في المقطع الذي سبق نرى الشاعر يقول : نقطة ضوء ظهرت كالبالون و أخته تحاول أن تمسكها ثم يقول . فراشة الضوء برزت من خلال قضبان النافذة المتجمدة وأخته تحاول أن تمسكها ولم تيأس.
وهذا يعني لنا أن تصورات الشاعر حول معانات اليهود كثيرة لكن اليهودي الصهيوني لم ييأس حتى لو رأى بصيص ضوء صغير من الأمل.هكذا يتصور الشاعر كافة أبناء اليهودية الصهيونية أن لا ييأسوا على الرغم من الرعب الذي عاشوا فيه في أوروبا.
لقد رأى النقاد الصهاينة أن هذه القصيدة من أفضل ما كتب في الشعر الصهيوني لكنهم يجمعون على نقطة هامة و خطيرة وهي تجيير ما جاء فيها لصالح الحركة الصهيونية حيث أن الناقد الصهيوني ستيفن سبيندر يرى في قصائد هذا الشاعر (صوت الشعب اليهودي الذي يكون الدين و الفرد قوام قوميته) والواقع أن سبيندر يعترف أن الدعاية الصهيونية استغلت مثل هذا الشعار لتدافع عن أفكارها العنصرية وممارستها الدموية على أرض الواقع الفلسطيني.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث