الشعر الصهيوني و الرعب الذي تحول إلى كآبة PDF طباعة أرسل لصديقك

بقلم : د حسن الباش

image120

أصبح الشعر الصهيوني في فترة الحرب العالمية الثانية صدى لمقولات الحركة الصهيونية التي رحبت في كافة الأوساط الغربية أن اليهود مضطهدون يعانون من أزمات الخوف وعدم الأمان والرعب المستمر. لذالك عندما ينادون بإقامة وطن لهم على أرض فلسطين يطلبون من العالم الغربي أن ينظر إلى تلك المعاناة المفرطة و إلى البديل عنها.

ولعل من أهم السمات التي التصقت بالشعر الصهيوني آنذاك أنه شعر يعبر عن دوما عن حالات نفسية متأزمة ومرضية . فالنصوص التي تناولها النقاد تمتلئ بالرعب و الكآبة والحزن والقلق لكن ذالك كله يرتبط بأمل هو إقامة دولة صهيونية على أرض فلسطين.
وعندما يحتل الصهاينة أرض فلسطين يعودون إلى مبررات عديدة يظنون أنها تعفيهم من جرائمهم وإبادتهم للشعب الفلسطيني. فإذا كانوا يقنعون العالم الغربي بأنهم مضطهدون ويذوقون الويلات بسبب النازية فكيف ينقلبن إلى نازيين جدد في أفعالهم الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني.
من هنا نرى أن العديد من الشعراء الصهاينة لا يستطيعون التخلص من بعض الأزمات النفسية وربطها ب(إسرائيل) المقبلة كوطن بديل عن المآسي التي تصورها وتخيلوها. وفي هذه الدائرة تدخل بعض النماذج الشعرية التي كتبتها الشاعرة الصهيوني( نيلي ساخس) .
فهذه الشاعرة ألمانية الأصل وكتبت قصائدها باللغة الألمانية .وقد ولدت في برلين عام 1891م وبعد مجيء هتلر انتسبت إلى الكبالا اليهودية .واستمرت تكتب بالألمانية حتى بعد هربها إلى السويد عام 1940 وقد حازت على جائزة نوبل لعام 1966وهذا كله ما يدلنا على حقائق تلتصق بشخصيتها .فهي ألمانية المولد و الجنسية وثقافتها ألمانية و أروبية والتجأت من ألمانيا إلى بلد آخر وفترة الخوف و القلق قصيرة في حياتها.
لذالك كله انقسمت أشعارها إلى قسمين الأول يمتلئ بالرعب و الكآبة و الحزن بينما الثاني بعيد عن كل الانفعالات النفسية ونرى أن الخط الأول من أشعارها يرتبط بيهوديتها و صهيونيتها.
لذالك أيضا أن قادة الحركة الصهيونية وكذالك نقادها لا يرضون عن أشعارها التي ابتعدت عن القلق و الكآبة . فالحركة تريد من الشعراء الصهاينة أن يضلوا يصنعون أشعارهم كي تساهما كليا في إدرار العطف عليهم مهما فعلوا في فلسطين ولهذا السبب أيضا يركزون على أشعارها الأولى التي تتحدث عن القلق و الموت و الحزن ولعل أكثر ما يتوضح لدى الشاعرة في شعرها الصهيوني هو الحديث المستمر عن الذين قتلو. وهذا لا يعني أن هناك رعبا مجانيا في أشعارها بل أن هناك تكديسا لجثث فوق جثث وأنها تنقل مادة أولئك الموتى وتمنحهم الحياة لكن دون التقليل من بشاعة منضرها . فالرعب في أعماقها تحول كما قلنا إلى كآبة مليئة بالرعب .
إن لدى الشاعرة ساخس عشرات القصائد التي تتحدث عن الضحايا الرعب و القتل النازي وهناك قصائد واضحة عن الكيان الصهيوني مثل قصيدتها (صوت الأرض المقدسة) وقصيدة (لماذا الجواب الأسود لوجود يا إسرائيل) لكن قصائد الموت أو ما يسمى الاضطهاد النازي ليست ذات صفات إسرائلية ولا تمتلك الجذور المدعاة في الموروث اليهودي
تقول في إحدى قصائدها:

آه يا أطفال
الموت يركض في خفق قلوبكم
كما يركض خلال مرج من العنب
يرسم (إسرائيل)حمراء على جدران العالم.

فمن الواضح أن الشاعرة تربط بين ما يسمى مأساة اليهودية إبان الحكم النازي و الكيان ومن الواضح أيضا استخدامها بعض الرموز التي تدل على عمق القلق الذي تعيش فيه فهي تارة حزينة إلى حد الإفراط وهي تارة مرتبطة بالفكر الصهيوني التي تقول بأن (إسرائيل) أرض اليهود التي تصطبغ باللون الأحمر بمعنى (إسرائيل) المدماة وليست الدامية القاتلة : وتقول

ماذا ستكون نهاية القداسة الصغيرة
التي ماتزال تختبئ في رمالي
إن صوت الموتى
يصعد من قصبات البردي البعيدة.

فهي لا تزال تحت وطئت صورة اليهودي الذي قتل إبان الحكم النازي. وإذا أردنا فعلا أن ندرس أبعاد تركيزها على معزوفة الموت و الناس الذين قتلوا و الأصوات الحزينة المنبعثة من هؤلاء الذين يقتلون فإننا ندرك بأن شعرها سيؤدي الوظيفة لدى جمهور الصهاينة فهذا الشعر يزيد تغلغل الحقد اليهودي على الآخرين بل وتغلغل حب الانتقام من أي شيء آخر.
و الشاعرة تدرك هذا التوجه خاصة عندما لا تغيب عنها صورة (إسرائيل ) التي يجب أن تكون بديلا موضوعيا لحجم المعاناة و العذاب التي عاشها اليهود حسب تصورها.
تقول:

دعوا أسلحة الثأر في الحقل
فسوف تلين
فحتى قطعة الحديد و اللبذرة يأتلفان
في رحم الأرض
ولكن ماذا ستكون نهاية القداسة الصغيرة
التي ما تزال تعيش في رمالي
الأطفال القتلى
ينهضون من نومهم
يحنون شجرة العصور
ويثبتون على صدورهم
النجمة المتنفسة البيضاء
التي كانت تدعى يوما (إسرائيل)

فمن الواضح أن الشاعرة تلعب على وترين الوتر الأول يبدو إنسانيا متسامحا خاصة عندما تقول (دعوا أسلحة الثأر في الحقل) و الوتر الثاني يبدو توجيهيا تحريضيا وخاصة عندما تقول (ولكن ماذا ستكون نهاية القداسة الصغيرة ) فهي بهذا تعترف بأن هناك جوانب إنسانية يجب أن يتحلى بها البشر ولكن ذالك ليس حساب المبادئ الصهيونية التي تنسى كل شيء ولو كان إنسانيا لتحقيق أهدافها ثم ترى الشاعرة أن أهم هو قيامة الأطفال المقتولين . بالطبع الأطفال اليهود فهؤلاء رغم موتهم يقومون من الموت ليضعوا على صدورهم النجمة التي ترمز إلى الكيان الصهيوني فهذه النجمة حسب رأيتها ترمز إلى إسرائيل.
إن ما تقوله الشاعرة يعبر عن الانبعاث اليهودي الصهيوني فعلى الرغم من الموت ينهض اليهودي ليبرهن على انتمائه لصهيونيته وكيانه.
وأخيرا تقول :

يقول الطفل
من أعلى الغصون
ستطلع وتصعد عاليا مرة أخرى
إلى حيث الدموع تعني الأبدية.

فهذا حسب تصورها هو الحل وهو الذي يجب أن يكون. الأطفال كانوا مقتولين ميتين ينهضون من الموت وأحدهم في قمة الشجرة يظهر و يصعد عاليا مرة أخرى وهذا يعني كما قلنا تجدد الحياة الصهيونية.
إن الشاعرة تؤكد حين تكتب للجمهور الصهيوني أن المآسي و المحن لا بد أن تنقلب إلى الصمود وتحقيق الأحلام.
ومع ذالك فإن الشاعرة كغيرها من الشعراء الصهاينة تستخدم الموت الدموع و المآسي كي تحرك على القتل المضاد.وكأن عقيدة الحقد على الآخر تنتقل من النازية إلى الصهيونية كالعدوى تماما . وهذا يعفينا من القول إن جوانب إنسانية تظهر في أشعارهم فكل حس يظهر إنسانا ليس سوى لإدرار العطف عليهم و التغاضي عن الجرائم بحق الشعب الفلسطيني.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث